بقلم الشيخ مظهر الحموي
أجل إن الحج هو عيادة نفسية لكثير من العقد والأمراض النفسية يعالجها من دون دواء أو جلسات علاجية شأنه شأن سائر الفرائض لكن فريضة الحج تمثل علاجاً ميدانياً على الأرض لخصال معقدة يختص الحج بعلاجها.
*معالجة مرض الكآبة:*
ومن أولى هذه الأمراض النفسية مرض الكآبة والإحباط والذي يؤدي إلى تشاؤم المريض من كل ما يحيطه ويلزمه اليأس والنكوص وتجنب الناس فينسحب من مجتمعه وينزوي وحيداً فاقد الثقة بمن حوله وحتى من أقرب المقربين إليه ويعيش في عالم من الهم والغم والشكوك ويحس بأنه إنسان نكرة لا فائدة له في المجتمع.
إن مريض الكآبة هنا ينصح له بأداء فريضة الحج ليعيش أياماً مليئة بإخوانه ومحبيه فينسى مصابه النفسي وهو يرى ملايين الحجاج من كل حدب وصوب فيشعر بالإنتماء إلى أمة عظيمة وهو يرى مختلف الأجناس والألوان واللغات، يشد بهم أزره وتحيا بهم نفسه ويتأمل هذه الحشود وفيهم العجائز والأطفال والنساء يؤدون هذه الفريضة بدون تأفف أو تذمر، فيخجل من نفسه ويعقد العزم على أن يتخلص من كآبته واحباطه ويشفى من مرضه.
*المريض بالرهاب:*
وماذا عن المريض بالرهاب وهو النزق والعدائية لكل الناس فإن الحج هو أسهل علاج وخير دواء له وذلك عندما يريد أن يطبق تعاليم أداء هذه الفريضة {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ}البقرة197 وعليه أن يدرب نفسه على الصبر وطول البال وتحمل المشاق والرضى بزملائه في رحلة الحج فلا يسخط ولا يتبرم ولا يكن مشاعر العداء لهم وهكذا ينجح في امتحان بلا دواء أو جلسات علاجية ويعود الحاج الذي كان عصبي المزاج إلى أهله هيناً لينا تظلله السكينة والوقار.
*الوسواس القهري:*
وكذا الأمر مع المصابين بالوسواس القهري أو ما يسمونه بالفوبيا وهي على أنواع عدة: منها فوبيا الخوف من الموت حيث يجد نفسه بين ملايين الحجيج الذين يتحملون المشاق ولا يهابون الموت بل يتمنونه بكل طيب خاطر فيشعر المريض عندها بتفاهة ما يتملكه من فوبيا أي من خوف من الموت.
*المريض بالدونية:*
ولمرض الإحساس بالدونية والضآلة علاج في الحج حيث يشعر هذا المريض بالاعتزاز لإنتسابه إلى ملايين المسلمين.
*رهاب الجماهير والازدحام:*
أما عن رهاب الخوف من الجماهير والزحمة فتداويه حشود الطائفين حول الكعبة المشرفة والواقفين في منى وعرفات.
*جنون العظمة:*
وكذا الغرور بالذات “جنون العظمة” “بارانويا”فالحج خير من يشفيه من هذا المرض النفسي عندما يتنازل عن كبريائه بارتداء اللباس الأبيض الموحد كما سائر الحجيج ويؤدون الفرائض سواسية. ويرغم نفسه على التواضع والخروج من جنون العظمة إلى الحياة السوية دون جلسات علاجية أو دواء.
وكذا الأمر مع مرض التوحد وانفصام الشخصية وغيرها من الأمراض والعقد النفسية.
وأخيرا إن الإسلام دين يخاطب العقل ويحث على العلاقة المباشرة بين العبد وربه بلا وساطة أو مقدمات، إنه يطلب مستوى من الفكر والإعتقاد لا يتصور أن تبلغ الإنسانية له مثيلا ولا النظم الدنيوية له قريناً أو شبيها ، إنه يبني منطق العقيدة الفريدة المتكاملة في قلوب أتباعه ليسلكوا بشعائرهم نحو السعادة والازدهار ويكفي أن الإنسان المسلم يحيا في سعادة عامة وهو يؤدي الفرائض الخمس وفي كل فريضة منها مقصد وغاية وهدف لا تتوافر في سائر الاديان والمعتقدات والافكار العلمانية.
فإن الاسلام دين متكامل لا تنقضي أسراره وحكمه وفرائضه المختلفة حيث لكل فريضة دورها الايجابي في نفس المسلم ففريضة الحج أروع مدرسة تربوية تحمل في مبادئها أسمى معاني الاخلاق القرآنية ولا تستطيع أي مؤامرة فكرية أن تسطو على هذه العقيدة التي تتجذر في القلب والنفوس جراء إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع اليه سبيلا.
*اخوكم الشيخ مظهر الحموي*
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
