*✍️: يوسف أبو سامر موسى*
لم تعد القضية المرتبطة بالكيان { الإسرائيلي } مجرد نزاع سياسي أو صراع على أرض وحقوق بل أصبحت نموذجاً صارخاً لمشروع قائم على القوة المفرطة والتطرف والعنصرية مشروعٍ يسعى إلى فرض إرادته على الشعوب والدول دون اعتبار للقوانين الدولية أو القيم الإنسانية التي يدّعي الدفاع عنها {فإسرائيل} التي تحاول تقديم نفسها للعالم باعتبارها واحة للديمقراطية والحضارة تكشف ممارساتها اليومية أن هذا الادعاء لا يعدو كونه غطاءً لسياسات عدوانية قامت منذ تأسيسها على الدماء والأشلاء والاقتلاع والتهجير.
لقد أثبت التاريخ أن هذا الكيان لم يكن يوماً شريكاً حقيقياً في صناعة السلام بل كان دائماً مصدر توتر وعدم استقرار في المنطقة فمنذ النكبة الفلسطينية عام 1948 مروراً بعشرات المجازر والحروب والاعتداءات التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وصولاً إلى العدوان المتواصل على غزة والضفة الغربية ولبنان، يتجلى الوجه الحقيقي لمشروع لا يعرف سوى لغة القوة والعنف والمفارقة الكبرى أن المسؤولين {الإسرائيليين} لا يتوقفون عن الحديث باسم الإنسانية والأخلاق والقانون الدولي في الوقت الذي يتهمون فيه حركات المقاومة الفلسطينية بالإرهاب والإجرام وانهم من ابناء الجحيم بسبب مقتل أكثر من ألف إسرائيلي في أحداث السابع من أكتوبر حسب ادعاءاتهم بينما يتجاهلون حجم المأساة الإنسانية التي تسببوا بها للشعب الفلسطيني فالحرب على غزة أوقعت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى ودمرت أحياءً ومدناً بأكملها وأنتجت كارثة إنسانية غير مسبوقة في العصر الحديث كما امتدت الاعتداءات إلى الضفة الغربية التي شهدت سقوط المئات من الشهداء وآلاف الجرحى وإلى لبنان الذي تعرض لاعتداءات متكررة أسفرت عن سقوط آلاف الضحايا المدنيين بين شهيد وجريح وسط صمت دولي مريب وعجز واضح عن وقف العدوان أو محاسبة مرتكبيه.
الأخطر من ذلك أن {إسرائيل} لا تكتفي بممارسة العنف ضد خصومها واعدائها بل تتعامل بفوقية واستعلاء حتى مع حلفائها وأصدقائها فسجلها حافل بعمليات التجسس والابتزاز السياسي ومحاولات فرض الإرادة على الدول الداعمة لها وكأنها فوق القانون والمساءلة وهي بذلك تقدم نموذجاً لدولة ترى نفسها استثناءً من كل القواعد والمعايير التي تطالب الآخرين باحترامها.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الأوساط الدولية عن فرص للتهدئة والاستقرار تواصل {إسرائيل} سياسة التصعيد الميداني وتسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض من خلال الاعتداءات المتكررة والتدمير المنهجي ومحاولات التوسع وفرض السيطرة على المزيد من الأراضي غير آبهة بالاتفاقات أو التفاهمات الدولية فالعقيدة التي تحكم سلوكها السياسي والعسكري لا تقوم على السلام بل على مبدأ الهيمنة وفرض الأمر الواقع بالقوة.
أما على المستوى التاريخي والثقافي فقد سعت {إسرائيل} لعقود طويلة إلى بناء سردية تبرر مشروعها الاستيطاني مستندة إلى روايات وأساطير جرى توظيفها سياسياً لإضفاء شرعية على الاحتلال ورغم الجهود الضخمة التي بذلت في مجال الحفريات والبحث الأثري على مدى عقود طويلة استمرت النقاشات والخلافات بين المؤرخين وعلماء الآثار حول العديد من الروايات التاريخية التي استخدمت لتبرير السياسات التوسعية الأمر الذي يؤكد أن التاريخ لا يمكن مصادرته أو احتكاره لخدمة مشروع سياسي معين
ومن أخطر مظاهر التطرف الإسرائيلي في السنوات الأخيرة استخدام تهمة “معاداة السامية” كسلاح سياسي لإسكات كل صوت حر ينتقد الاحتلال أو يفضح الجرائم والانتهاكات التي يرتكبها الكيان الصهيوني فكل شخصية سياسية أو إعلامية أو أكاديمية تتجرأ على كشف الحقيقة أو الدفاع عن الحقوق الفلسطينية تجد نفسها عرضة لحملات تشويه واتهامات جاهزة في محاولة واضحة لخلط الأوراق بين انتقاد السياسات الإسرائيلية وبين الكراهية الدينية أو العرقية وهذه الممارسة لا تسيء فقط إلى حرية التعبير بل تسيء أيضاً إلى ضحايا العنصرية الحقيقيين عبر توظيف معاناتهم لأهداف سياسية.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في العدوان العسكري الإسرائيلي بل في الفكر المتطرف الذي يبرر هذا العدوان ويمنحه الغطاء السياسي والإعلامي، فحين تتحول القوة إلى أداة لإلغاء الآخر وحين يصبح القتل الجماعي والتدمير والتجويع وسائل مقبولة لتحقيق الأهداف السياسية فإن الإنسانية بأسرها تكون أمام تحدٍ أخلاقي وحضاري كبير.
إن المطلوب اليوم من المجتمع الدولي ليس الاكتفاء بإصدار بيانات القلق أو الدعوات العامة للتهدئة بل اتخاذ مواقف جادة ومسؤولة تضع حداً لسياسة الإفلات من العقاب وتعيد الاعتبار للقانون الدولي ولمبادئ العدالة وحقوق الإنسان فاستمرار التغاضي عن الممارسات {الإسرائيلية} لا يهدد الفلسطينيين واللبنانيين وحدهم بل يهدد منظومة القيم الإنسانية برمتها ويشجع على انتشار منطق القوة والتطرف في العلاقات الدولية.
لقد أثبتت التجارب أن الاحتلال لا يمكن أن يصنع سلاماً وأن العدالة وحدها هي الطريق الحقيقي نحو الاستقرار أما الرهان على القوة والقهر وطمس الحقائق فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الصراعات والتوترات وسيبقى شاهداً على فشل المشروع {الإسرائيلي} في تحقيق الأمن الذي يدّعي السعي إليه لأنه تجاهل دائماً حقيقة ثابتة مفادها أن الشعوب لا تتخلى عن حقوقها وأن إرادة الحرية أقوى من كل أدوات القمع والاحتلال.
*✍️يوسف أبو سامر موسى باحث وكاتب سياسي/فلسطين*
الاحد 14 حزيران 2026
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
