الجزء الثاني
مدير الإستشارية للدراسات الإستراتيجية الدكتور عماد رزق:
*هذا التقارب الدبلوماسي تحت عنوان الامن والإستقرار الاجتماعي والسياسي، سيؤدّي حتما الى تنشيط التعاون الاقتصادي بين دول المنطقة ومع الصين وهذا ما سيوفّر مناخات ايجابية قد تؤدي لأيجاد حلول لمعظم ازمات المنطقة؟!*
*حمود* :
لا تزال الهزّات الإرتدادية التي احدثها الزلزال السياسي، الديبلوماسي، ذو الأبعاد الأمنية والإقتصادية ايضاً والذي تمثّل في الإعلان عن إتفاق كل من السعودية وايران على عودة العلاقات الديبلوماسية فيما بينهما وعلى معاودة تبادل إفتتاح السفارات في كل من طهران والرياض في مهلة اقصاها الشهرين إبتداءً من تاريخ الإعلان عن الإتفاق، والذي اُعلن عنه في العاشر من هذا الشهر في العاصمة الصينية بكين برعاية مباشرة من الرئيس الصيني تتوالى بالصدور مُباركةً ومُشجّعةً من اكثر من منتدى وهيئة ومنظمة دولية، ومن الكثير من الزعماء والمسؤولين الدوليين الذين رحّبوا بما حصل من خرق اسطوري في هذا الملف المهم جداً. وقد اعرب معظم الخبراء والمُحللين السياسيين الذين تناولوا ولا زالوا حتى اليوم يومياً يحلّلون ويكتبون عن اهمية هذه الخطوة عبر كل وسائل الإعلام المُتاحة وقالوا انها فتحت بكل تأكيد الابواب على مصراعيها وبقوة امام الصين للعب دور سياسي وديبلوماسي كبير، بعد الدور الإقتصادي الريادي العالمي الذي انتزعته بلا منازع منذ عدة سنوات، مما سيضعها في المرحلة القادمة في منافسة شرسة مع الولايات المتخدة الأميركية، ومما سيساهم قطعاً في نهاية عهد القطب الدولي الأوحد والسيطرة الأميركية التي كانت سائدة حتى اليوم منذ نهاية الحرب الباردة. بل ذهب بعض الخبراء الى ابعد من ذلك بقولهم ان عهد القطب الأوحد قد ولّى الى غير رجعة وان عهد الهيمنة الأميركية على العالم قد انتهى وان الصين بالتعاون مع روسيا التي سيزورها الرئيس الصيني يوم الإثنين القادم لتمتين العلاقات القوية معها اصلاً في مختلف المجالات السياسية والإقتصادية والأمنية والعسكرية، اصبحت بالإضافة الى دول صاعدة وقوية اخرى مثل الهند وايران والسعودية وغيرها من دول القارة الأسيوية اصبحت بتعاونها وتنسيقها فيما بينها تشّكل تهديداً مهولاً للولايات المتحدة التي تتخبط اليوم في ازمة مصرفية خطيرة نتج عنها انهيارات للعدد كبير من المصارف وهي آخذة في التفاقم يوماً بعد يوم مما قد يعرّض الولايات المتحدة الأميركية الى ازمة اقتصادية مماثلة لتلك التي حدثت في العام 2008. وبسبب اهمية هذا الملف وتداعياته الكبيرة على مجمل ملفات الشرق الأوسط والخليج نستكمل اليوم نشر هذه المداخلات ونضع بين ايديكم في هذا الجزء الثاني من هذا الملف، المداخلة القيّمة لمدير الإستشارية للدراسات الإستراتيجية، الدكتور عماد رزق الذي حاول فيها بشكلٍ مُكثّف وتفصيلي الإجابة على اسئلتنا حول التداعيات السياسية والديبلوماسية والإقتصادية للإتفاق الذي أُعلن عنه في الصين، وكيف سينعكس هذا التقارب السعودي الإيراني على كل الأزمات والصراعات الدائرة بشكلٍ مباشر او غير مباشر بينهما في معظم دول المنطقة ومنها لبنان، وما هو المستقبل المتوقّع للتنين الصيني على المستوى الدولي؟!
*رزق* :
إفتتح الدكتور عماد رزق مداخلته بالقول بان هناك ثلاث مستويات اساسية لقراءة دلالات عودة العلاقات السعودية الايرانية.
اولاً : مكان الاعلان في العاصمة بكين.
ثانياً: التوقيت.
ثالثا: التداعيات التي سيحدثها على منطقة الشرق الاوسط، لا سيما على دول الخليج العربي، وعلى الملفات الدولية التي وصلت مُؤخّراً الى حدّ التصادم الدولي وربما الى اعلان حرب عالمية ثالثة في ظل ما نشهده من حرب روسيا اوكرانية طاحنة ودخول العديد من الدول في هذه الحرب مع هذا الطرف او خصمه وإنغماسها فيها بشكلٍ خطير بشكلٍ مباشر او غير مباشر. فالبيان الذي صدر في خلاصة اللقاءات الماراتونية التي تمت إحاطتها بقدر محترف جداً من السرّية والتكتّم، بحيث لم تكشفها كل اجهزة الإستخبارات الغربية ومخابرات الكيان الصهيوني، والتي استمرّت لمدة أربعة ايام انطلاقا من العراق الى عُمان وختمت في بكين مُكللةََ بالإتفاق التاريخي، بعد رعاية وتدخّل مباشر وحثيث مع إصرار على النجاح بأي ثمن من طرف الرئيس الصيني شي جين بينغ، يجعلنا نقرأ التداعيات ايضاً على ثلاث مستويات، وهي التعاون، والتنسيق، وتعزيز الامن والإستقرار على مستوى المنطقة والعالم.
فهو يعني إذاً انه سيكون هناك تعاون اقتصادي بين الدولتين ومع الصين طبعاً كشريك للدولتين وكضامن لهذا الإتفاق. وهذا من المُمكن ان يحصل بإعادة تفعيل إتفاقيات وبروتوكولات تعاون ومواد سابقة كانت الدولتان قد اتفقتا عليه. واعتبر رزق ان هذا هو المغزى الاكبر لهذا التقارب الدبلوماسي تحت عنوان الامن، والإستقرار الاجتماعي والسياسي، وتنشيط التعاون الاقتصادي بين دول المنطقة ومع الصين مما سيوفر مناخات سياسية ايجابية من المتوقّع ان تؤدي لإيجاد حلول لمعظم أزمات المنطقة ومشاكلها المتشعّبة والمتراكمة منذ أكثر من عشر سنوات.
واكمل رزق اذاً، فهذا اللقاء الثلاثي هو بداية وهو يضع القطار على سكته الطبيعية، وعليه فإن على دول المنطقة تخفيف التوتر الامني فيما بينها ووقف كل التدخّلات التي كانت تقوم بها هاتين الدولتين في شؤون الدول الأخرى التي كانت مسرحاً للصراعات وللكباش المباشر وغير المباشر على إمتداد كل الساحات. وأضاف رزق ان من تداعياته ايضاً انه ترك أجواءََ ايجابية، وأنه سيخّفف من حدّة التدخلات الخارجية والأميركية الصهيونية تحديداً، ما قد ينعكس ايجاباً على لبنان بموضوع إنتخابات الرئاسة. وهو قد يدفع بإتجاه حصول حوار لبناني- لبناني داخلي وبالتالي الى التوصّل إلى إتفاق بين القوى السياسية والحزبية اللبنانية على مخرج ما لمأزق الإنتخابات. كما ان هذا الإتفاق سينسحب على حلّ معظم ازمات دول المنطقة وخاصةً اليمن وسوريا والعراق. وهناك تداعيات اخرى على مستوى توازنات جديدة للمجمّعات الصناعية العالمية. وقد كان لافتاً للخبراء والمحللين شكل الطاولة التي تمّ حولها اللقاء وهي كانت مُثلّث.
وهذا الشكل الذي تمّ إختياره بعناية يحمل دلالات ومعانٍ كبيرة، إذ انه يبعث برسالة الى المجتمع الدولي فحواها انه إجتماع يُمثّل لقاء ثلاثي بين ثلاث قوى دولية إقليمية مُتساوية، وان الصين تحترم قوة هاتين الدولتين وتعاملهما بشكلٍ لائق بمكانتهما. وهذا التقارب يؤكد ايضاً ان مشروع الطريق الصيني واسواق الطاقة ستّتجه لإستثمارات مُتعدده ومُتبادلة بين الاطراف الثلاثة. وهو يكشف بكل تأكيد التعددية القطبية الجديدة في العالم والتي تحصل بين اقطاب جديدة عالمية. وبالتالي فإن هناك شبه إجماع بأنّ الدور الاميركي سيتراجع كما نلاحظ جميعاً. واكمل رزق ومن نتائج هذا التقارب ان قراءة المنطقة عادت لما قبل ١١ /٩ امنياً واقتصادياً، والتوازنات ستتغيّر. وأيضاً على مستوى العلاقات الدبلوماسية وخصوصاً بعد صدور بيان دبلوماسي ثلاثي خلاصته تُؤكّد على التزام ايران والسعودية بالبيان.
اما عن آفاق المرحلة القادمة فيمكننا ملاحظة راي مراكز الابحاث والدراسات الإستراتيجية الاميركية حول تنامي دور جديد للصين، حيث يظهر هذا التوسع الكبير جيواستراتيجياً وسياسياً. والخطوة التي اعلنتها الصين لها دلالات شتّى سنراها تتمظهر في المستقبل. فنحن في صدد الوصول الى مرحلة جديدة تنهي تدريجياً الهيمنة الأميركية على المنطقة. وسيتمّ حتماً تقييم مستقلبي للتقدّم في كافة المسارات بحسب نتائج الإتفاق ودراسة مدى امكانية تعديله او تغييره وتقييم لدور الاعلام التحريضي من هذا الطرف او غيره، والذي كان يؤجج الخلافات والإحتقان بين شعوب المنطقة. وسنرى لاحقاً إمكانية ان يكون هذا الاتفاق باباً لتدخّل الوساطة الصينية للوصول الى إبرام صفقة اللاتفاق النووي. كذلك علينا التنبّه ومراقبة كيف ستكون اندفاعة اسرائيل حوله وكيف ستحاول منعه وما إذا كانت قادرة على ذلك؟!وختم رزق كلامه بالقول انه من المُؤكّد اننا في ظل تغيّرات اقليمية ودولية وتساؤلات حول تحسين شروط التفاوض، مستطرداً لكن ماذا لو لم يتمّ حصول التقارب المنشود بين الاطراف الاقليمية المُتصارعة؟ وهل ان اميركا ستسمح بهذا التقارب؟!
ووختم بالقول انه من المُبكر جداً التعليق بدقة على تداعيات ما حصل وعلينا انتظار البنود غير المعلنة من هذا الإتفاق وكيف ستكون التحالفات في المنطقه وما هي لعبة المصالح بين القوى العالمية والإقليمية المتصارعة؟! ولذلك فإن كل ذلك سيستلزم انتظار الاشهر القادمة وما سيحصل خلالها من تطوّرات في كل ملفات المنطقة.
*د. طلال حمود-ملتقى حوار وعطاء بلا حدود وجمعية ودائعنا حقنّا*
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
