
“السواء والاختلاف وزمن الكورونا” كتاب للأستاذة الجامعية الدكتورة بهاء يحيى، التي سألت في مقدمة كتابها:
“أو ليس ما أكتبه جدير بالقراءة؟؟؟”
بلى يا دكتورة بهاء، ما كتبته جدير وجدير جداً بالقراءة..
لماذا؟
لأنك أستمديتي حبرك من نبض القلب، وكانت حروفك دعاء صلاة. ولأنك ببوحك أخترقتي الروح ورفرفتي في فضاءات إنسانيتنا بإتزان الصبر وحولتي مشكلتك إلى إنتصار لم يكن لك شرف نيله لولا مجيء أميرتك “زينب” لتجعل ما تعلمتيه وتخصصتي به وما تدرسينه لطلابك فعل مقدس زاد من قدرتك وقدراتك، فأنتصرتي في الميدان ونلت الوسام الأعلى، مما جعلك في رتبة رفيعة ورفيعة جداً على الأقل أمام نفسك، رغم كل العذابات والآلام التي صهرتك، فكشفت عن نفاسة جوهرك، وكنت كل البهاء، كنت بهاء الأم الأمثولة الجديرة بالإحترام..
لن أكتب عن كتابك “السواء والاختلاف وزمن الكورونا” لأنني بصراحة عاجزة أن ألملم مشاعري المبعثرة، وبالتالي أترك للقارئء أن يكتشف عطمة قدرات الإنسان عندما يكون إنساناً بالمعنى الرسالة الذي جاء إلى الجياة من أجل تحقيقها، فإما الفشل وإما النجاح الذي أنعم الله به عليك، فكانت تجربتك وكان كتابك الذي كلما قرأته أجد فيه مساحة جديدة من البلاغة والعفوية والمعرفة والثقافة والإنسانية المكللة بالعلم والصبر. التي سيلمسها القارئ جلية في تحفتك “السواء والاختلاف وزمن الكورونا“…
فاطمة فقيه
الحلقة الثالثة:

ابنتي والمدرسة
ويمضي الوقت وتكبر زينب ويحين وقت ذهابها للحضانة، وتبدأ رحلة التفتيش عن مكان ملائم يستقبل ابنتي في خصائصها العقلية والجسمانية والنفسية، وبعد رحلة تفتيش، تمضي ابنتي في حضانة تستوعب في كل صف حالة من ذوي الاحتياجات الخاصة، ثلاث سنوات كان يتم الأشراف عليها مجموعة من المربّين الذين حاولوا ادماجها مع الأطفال الآخرين عبر الألعاب والأغاني والحركات والأصوات، هي كانت مختلفة دون أن تعي ذلك، تحاول الفرح والمشاركة وامضاء عدة ساعات يوميا بعيدا عن المنزل مع رفاق طفولة بريئة، تعبث بالوقت الراهن دون دراية لما يحمله الغد والأيام المقبلة، في هذه السنوات كانت زينب تواظب على جلسات تقويم النطق والعلاج النفس-حركي والتربية المختصة، كان التقدم بطيئا ولكن كان يجب الاصرار والمتابعة والاندهاش لأيّ تحسّن يطرأ حتى ولو كان صغيرا… كنت أعلم انّ هذه السنوات الأولى من حياتها يجب ان تكون مشبعة بشتّى أنواع الاكتسابات والمهارات، وان أيّ مساعدة تسدى لأبنتي في اي مجال، ستترك بصمتها ان لم يكن على المدى القريب فلا بدّ ان تؤتي الثمار لاحقا، لذا كنت أحرص ألاّ يعيق هذا التطور البطيئ من حماستي وجهودي معها وألاّ يصيبني الاحباط من رتابة الأشياء وضآلة النتائج المباشرة.. كان يجب تقديم الكثير الكثير في مقابل الحصول على كلمة جديدة، على حركة صحيحة، على سلوك مناسب، هذا التحسن الخفيف والبطيئ كان يضخّ الأمل في مسامي ويبعث إلى المزيد من الاهتمام والبحث عن كل المثيرات والأنشطة، التي تحفّز هذه الاستعدادات ألشبه كامنة عند ابنتي لايقاظها، بدل ان يسكنها السبات العميق… انها فعلا معركة، معركة استنهاض القدرات بأسلحة متعددة في سبيل الخروج في النهاية بانتصار يحفظ البقاء والديمومة ومشاركة الآخر قدر المستطاع، معركة يجب ألاّ ينهزم فيها الأهل حفاظا على مستقبل أبنائهم ومصيرهم الآمن…
ويحين وقت الذهاب إلى المدرسة، هذا المكان الطبيعي لأي طفل حيث يمضي أحلى سنوات عمره، هذا المكان- المؤسسة هو مصنع الشخصية حيث تتفتح الطاقات والقدرات ويخطّ الطفل خطواته نحو المستقبل… مع ابنتي لم يكن اختيار المدرسة سهلا، ومن موقعي كأم كنت أبحث لها عن الأفضل وعلى كافة الأصعدة، وتماشيا مع التقدم التربوي والمعرفي أخترت لها مدرسة تعتمد سياسة دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة مع أقرانهم من الأطفال العاديين، مدارس الدمج في بلاد الغرب لاقت رواجا، وبرامجها تخضع للتعديلات المطلوبة دوما لمواءمتها وحاجات الاطفال وتطوّرهم الذهني والنفسي والحركي والاجتماعي… لبنان سلك هذا المسار وأنشئت فيه بعض المدارس التي تتبع نظام الدمج، الا انّ تجربتي مع ابنتي وعلى مدى اربع سنوات لم تكن بناجحة ولأسباب عديدة يصعب حصرها هنا والآن.. وبدل من ان تتقدم ابنتي بدأت ألاحظ التقهقر ليس فقط على الصعيد المعرفي- الأكاديمي ولكن على صعيد السلوك اليومي البسيط، لذا حزمت أمري وقررت نقلها إلى مدرسة متخصصة تعنى فقط بهؤلاء الأطفال وفق خصائصهم واهتماماتهم وميولهم، قرار سحب ابنتي من المدرسة الدامجة شكّل احباطا لي بالطبع لأنني كنت أمنّي نفسي بأن تماشي ابنتي أقرانها العاديين في اليوميات المدرسية تمهيدا للانخراط الاجتماعي لاحقا، ولكن كان عليّ ان أختار الأصلح والأنسب لها، مكان لا يشكّل ضغطا عليها بل يشكّل واحة أمان واستقرار نفسي، مكان يقلّ فيه منسوب التوقعات ولكن ترتفع فيه نسب الفرح والسعادة وهذا هو الهدف المنشود… ان أجعل ابنتي سعيدة قدر المستطاع ومن خلال الشعور بالسعادة هذا، تقدّم لها أطباق المعارف والمهارات والأنشطة لاستيعابها بهدوء دون ضغط أو تشتت أو شعور بمنافسة غير مجدية.. انّ اختيار المدرسة هو حدث مفصلي، ففي حجرات هذه المؤسسة، ستنتقل ابنتي من غرفة المعارف إلى الأنشطة إلى المسرح إلى الملعب إلى غرفة الجلسات (النفس-حركي وتقويم النطق) إلى المطبخ إلى المشاغل المتعددة تمهيدا للتأهيل المهني لاحقا حسب الميول والتوجهات…
لم تفلح ابنتي في تعلم القراءة والكتابة مع الجهود المبذولة والمتوافرة، وعلى الرغم من نجاح البعض من رفاقها بذلك ولو بشكل محدود.. لا أخفي انّ قبولي لهذا الأمر استدعى مني مناوشات نفسية كانت حدّتها تزداد وتخبو، حتى الوصول إلى نقطة القبول والرضوخ لواقعها الذهني الذي لا يساعدها في تعلم القراءة والكتابة، فهذا الانغلاق الفكري قابله انفتاح على الحنان والفرح والحب وفيض من السعادة…
المدرسة هي المحك، هي التي تحدد للطفل السّوي مساره المستقبلي من خلال تحصيله الدراسي ونجاحاته وميوله التخصصية، هي عتبة نحو تحقيق المستقبل المهني والمادي، اما بالنسبة لطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة فالمدرسة هي الهدف دون التفكير بالغد، هي المكان الذي يؤمّن له مساحة آمان مع رفاق يشاطرونه الحال نفسه، مع مربين يحاولون فهم احتياجاتهم وشحن القدرات المتواجدة لديهم في سبيل معرفة توجيههم لاحقا قدر الامكان في حرفة، في مهنة، في نشاط يملي عليهم أوقاتهم ويشعرهم بجدوى الانتاجية.. انه المكان الذي يحافظ على خصوصيتهم وتقبلهم كما هم دون أي نظرة تشير إلى من هم، هو البيت الدافئ الثاني الذي يحميهم من نظرة الأختلاف، الذي يحتويهم ليشكل لهم عالما يدورون في فلكه دون كلل أو انزعاج أو التأفف منه، بل على العكس فهذه المدرسة يفتقدها الطفل في العطل والأعياد، ويطالب بالتواجد فيها طيلة الوقت لأنها تؤطّره بشبكة من العلافات الآمنة، وتمنعه من الوقوع في فخّ الفراغ والشعور بالملل الذي قد يحرك لديه سلوكيات قد تزعج الآخرين والمحيطين به…
الأطفال-الداون كما غيرهم من الأطفال لديهم بعض السمات المشتركة فيما بينهم من جهة، ولهم خصائصهم الفردية التي تميز كل طفل عن الآخر، في اطار الفروقات التي تميز الأطفال ضمن الفئة الخاصة بهم، وبالتالي يتم في المدرسة مراعاة كل طفل حسب تاريخية الحالة، لناحية نوعية الأضطرابات الجسمانية التي يمكن ان تكون ملازمة للطفل (امراض قلب، عيون، امراض الجهاز الهضمي…) وهذا ربما يستلزم علاجا دوائيا، على القيّمين في المدرسة ان يكونوا على دراية به وبعض الاضطرابات السلوكية والنفسية (ألعدوانية، الحركية الزائدة، التنميطات، الوساوس…) والتي تستدعي متابعة وعلاجات يجب على المدرسة ان تبقى على تماس معها.
في المدرسة العادية يمضي الطفل سنوات معدودات من حياته داخلها، لينطلق بعدها إلى الفضاء الجامعي والعالم الخارجي، ليثبت اقدامه رويدا رويدا في المجتمع، اما الطفل-الداون فعلى الأرجح ان يلازم مدرسته ان كانت تؤمن له الاستمرارية من خلال المشاغل المختلفة، التي يتم تدريب الاطفال فيها على مهن تساعدهم في اثبات ذواتهم، واتقان عمل وتمضية الوقت، والأهم الألتقاء مع بعض في بوتقة من حياة الرفاق المشتركة، اما اذا لم تتوافر مثل هذه المدرسة فان مصير هؤلاء الاطفال سيكون العودة إلى البيت والبقاء فيه وملازمته، وما قد يخلّف ذلك من انعكاسات سلبية وتوترات تنغّص حياة الجميع،…
بعض الجامعات في لبنان أنشات برامج خاصة يستطيع بعض من هؤلاء الاطفال المتابعة فيها، ضمن شروط معينة تتيح لهم الانتقال من بيئة المدرسة إلى بيئة جامعية تفتح لهم مجالات توظيف لقدرات وامكانيات متواجدة لديهم، في اطار من التبادل مع مؤسسات وفعاليات المجتمع التي تسعى لادماج هذه الطاقات الشابة في المجالات المناسبة لهم، والأخذ بيدهم لترك بصماتهم الخاصة في حدود المسؤوليات التي باستطاعتهم القيام بها بفرح وانشراح…
تشكل المدرسة الموضوع الأساس لدى الأهالي حرصا على تأمين المكان الآمن والمناسب لولدهم المختلف، هذا المكان هو مرآة للطفل يرى نفسه فيه، والآخر الذي يشبهه في صورته، في حركته، في كلماته، في شكله..هؤلاء الأطفال من جهة والمربون معهم يشكلون وحدة متماسكة، في حال نجاحها ينعكس ذلك على شخصيات الأطفال تفتحا وفرحا وثقة بالذات، وفي حال فشلها يصاب الطفل بالتقهقر والانكماش وضمور قدراته وانسداد الأفق المستقبلي لديه…
مدرسة عادية، مدرسة دامجة، مدرسة متخصصة..هذه المدرسة هي الملاذ للأهل، تمسك بيدهم ليسيروا سويا مع هذا الطفل لمساعدته على التعبير، على التقليد والمحاكاة، على اسقاط مكنوناته وعلى كشف صور تماهياته… هو ايضا له الحق في اختبار كافة أشكال التماهيات والتعلق والتنافس، هذه المدرسة بانفتاحها على المدارس الأخرى والمؤسسات الاجتماعية تساعد الطفل على معرفة الآخر السوي المختلف عنه، على تقريب المسافات، على ادماجه العفوي مع مظاهر الحياة الاجتماعية بعيدا عن الوصمة والانزواء والخوف من الآخرين…
فمهما حاول الأهل واستزادوا معرفة واطلاعا، تبقى المهمة صعبة عليهم وحدهم دون مساعدة المدرسة وفريق عمل مختص يحتضن هؤلاء الأطفال بخصائصهم واختلافاتهم، ويحترم وحدتهم الشخصية ويفتح لهم الآفاق على المستقبل.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
