فلسفة الحُب (رسالة في التضحية) في لوحة اليدين للرسّام العالميةألبرت دورير (1471-1528)

بقلم الدكتورة بهيّة أحمد الطشم

لعلّنا نلتمس من حنايا الأيقونة الاستثنائية (اليدين) للفنان العالمي ألبرت دورير عُمق الشّعور المُرهف في فلسفة الحُب الراقي ابّان سِيادة البرغماتية الكاملة في الراهن المعيوش.

فلا عَظَمَة في العالم الاّ وهي حسنة من حسنات الحُب الصحيح للنفس,حُب الآخر ؛ حُب الطموح,والذي لا يُتصوّر له ثانٍ في احداث قوة جميلة تهزّ كل يأس…
ولا غرو في ذلك ,اذ تحتاج كل أنا الى نفسها وكذلك الى الآخر ,على اعتبار أنّ الخلفيّة الوجدانية السيكولوجية في كل شخصية هي التي تفسّر ديناميتها ومعالمها.
فالحُب هو أساس الشعور بقيمة الحياة وأهميتها وسرّ اهزال القنوط والغائه,ونستذكر في هذا الصّدد ما قاله فيلسوف الريشة والقلم جبران خليل عن الحُب: “من تحُب ليس نصفك الآخر, هو أنت كلك في مكان آخر في نفس الوقت.”
وقدّم “ابراهام ماسلو” مؤسس علم النفس في هذا الاطار ضمن مخطّط التدرّج الهرمي لحاجات الانسان في الحياة تصنيفه الرائد لأهم الحاجات عند الانسان ,حيث تحتل الحاجة الى الحُب المرتبة الثالثة وفي سياق الترتيب,كونها الأساس في انسانيتنا والقلب في ارادتنا والاّ فاننا سنتحوّل الى كتلة من الصّخر.
فالحاجات الأساسية عند الانسان :
1.الحاجات الفيزيائية
2.حاجات الأمن .
3 الحُب والامان

4 تقدير الذات
5 حاجات تحقيق الذات
6 الفهم والمعرفة.
7.التسامي
وفي السّياق عينه,يمكن اختصار أبرز الحاجات الأساسية الموجودة لدى كل الناس كما أشارت عالمة النفس هورني في كتابها “تحليل الذات”:
1. الحاجة للحُب والتقبّل
2. الحاجة الى شريك
3. الحاجة الى القوة والمكانة المرموقة
4. الحاجة الى الاعجاب الشخصي
5. الطموح
6. الاستقلالية والاكتفاء الذاتي
7. الحاجة الى الكمال

وفي الاطار عينه,نستحضر بجدير الاعجاب مقولة ذهبية لأحد أبرز روّاد علم النفس: أريك فروم صاحب كتاب ثورة الأمل:”المحبة فن اذا مارسها الانسان بجدارة ,فهي ضمانة للصحة النفسية.”
وبالعودة الى اللوحة ,تروي خطوط والألوان “اليدين” للفنان العالمي حكاية حُب أسطوري لطموح خلّاق تسلّق الصعوبات ,وقاوم سهم اليأس بعين الحُب في منعطفات الحياة,وكانت بمثابة اسقاط نفسي لصاحب اللوحة.
فالرسّام الحاذق والمبدع عاش في كنف عائلة كبيرة تتألّف من ثمانية عشرة فرداً,وفي ظروف مادية صعبة للغاية ,ولأّن ألبرت واخيه يعشقان الرسم ولديهما الموهبة العظيمة.

ولكن والدهما لم يستطيع أن يتكّفل باحتياجاتهما المادية,واخيراً توصلا الى حل بعد نقاش طويل امتد لساعات الفجر المبكرة هو أن يُجريا القرعة,حيث يذهب الخاسر فيها : للعمل في المناجم ويتكفّل
بمصاريف اخيه الفائز لمدة أربع سنوات,هي فترة الدراسة في الأكاديمية ,وبعدها يذهب الآخر ليدرس ويتكفّل أيضاً بالتكاليف .
أُجريت القُرعة وقد فاز بها ألبرت دورير ,الذي ذهب الى الاكاديمية وذهب أخوه الى المناجم ليعمل فيها 4 سنوات,ثمّ عاد البرت الى قريته بعد غياب 4 سنوات وسط احتفال هائل ,وخلال الاحتفال وقف البرت دورير الذي كان له شأن عظيم في عالم الفن وقال كلاماً مؤثراً لأخيه:”يا أخي الحبيب :الله يباركك ويعوّضك,والآن جاء دورك لتذهب الى الاكاديمية وسوف أؤدي رسالة التضحية ذاتها معك.”
وكان جواب أخيه في غاية التأثير:” لا,يا أخي …لن أذهب أنظر الى يديّ ما فعلته سنوات العمل في المناجم…لقد تكسّر الكثير من عظامها الصغيرة,ولا أستطيع الامساك بريشة صغيرة,والتحكّم بالخطوط الدقيقة.”
وقد حدث ذات يوم ومرّ ألبرت على حُجرة أخيه فوجده يصلّي ويبتهل ,حيث استوقفه المشهد وشعر بجلال عارم وأخذ أدواته ورسم تلك اليدين كتكريم للمحبة الباذلة التي لا تفكّر في نفسها,
وأطلق على اللوحة اسم اليدين المصليتين .
وفي سِياق استقراء فسيسفاء الألوان الدافئة التي تزدان بها الأيقونة:يطغى اللون البني الفاتح والداكن بقوة في أرجاء اللوحة ليعكس عُمق التجذّر العاطفي ووهج الانتماء والحُب الصادق.
كما ويدلّل التصدّع في خلفيّة اللوحة على الظروف القاحلة التي نبتت فيها زهور الابداع….وبالموازاة تبرز الشقوق في اليد المُكافحة التي تمتد لمساعدة اليد الأخرى وتعطي أرقى انطباع عن أوج التضحية.

وفي الخلاصة,نلتمس حكمة ساطعة ألا وهي: أنّ الحُب هو المسوّغ الأهم للوجود الانساني ,وما اجمل أن نحب أحبائنا بمئة طريقة,ونعبّر عن شعورنا ازاءهم عبر اختلاف الوسائل ,وما أرقى سِمة التضحية (أهم وجوه الحُب) في سيرورة العمر ورحلة الحياة الموسومة بالتناقضات!

شاهد أيضاً

صباح القدس

  ناصر قنديل صباح القدس والمقاومة تتقدم ، وحلف الأعداء يتموضع ويتفكك ، فالكل يقرأ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أعلان إيجارات واستثمارات

اعلان

أعلانات

اعلان