رفيق الحريري..

مشروع وطن، ووطن في رجل
ما زال حاجة وطنية لإنقاذ لبنان

زياد سامي عيتاني*

لم أكن يوماً من المتحمسين، أو مستصيغي ما أدرج على تسميته ب “الحريرية”، سواء بتوصيفها وطنية، أو سياسية؛ لا سيما وأن بداية شيوع هذا المصطلح قد أتى كتهمة وكإدانة خبيثتين غير بريئتين (!) من الخصوم السياسيين لمشروع الرئيس الشهيد، ولنهج نجله “الشيخ” سعد، عندما عقد العزم (عائلياً ووطنياً وخارجياً) أن يكمل المسيرة السياسية لوالده الشهيد، قبل أن يرئس أول حكومة…
فالرئيس الشهيد رفيق الحريري لم يكن حالة سياسية-عائلية تقليدية، شبيهة بباقي البيوتات السياسية والزعامتية اللبنانية، كما لم يكن واحداً من قادة الأحزاب الميليشياوية، الذين أطاحوا بتلك الزعامات “الكلاسيكية”، تحت شعار القضاء على الإقطاع السياسي، مستفيدين من الحروب المتتالية، ليتحولوا بعد إتفاق الطائف إلى نسخة جديدة للإقطاع القديم، بمسمى “أمراء الطوائف” المدافعين عن حقوقها (!)
إنما كان رفيق الحريري ظاهرة إستثنائية غير مسبوقة في الحياة السياسية اللبنانية على الإطلاق؛ حيث يكان يكون الوحيد من كل الزعامات اللبنانية الذي أتى إلى حكم وبحوزته مشروعاً وطنياً متكاملاً، عمل على تنفيذه لنقل لبنان من من حالة الحرب إلى حالة السلم، وفقاً لما نص عليه “الطائف”…
****
فقد شرع الرئيس الشهيد منذ وصوله إلى الرئاسة الثالثة بديناميته وإندفاعيته، مسابقاً الوقت والزمن (دون أن يتمكن أحد من اللحاق به) إلى إطلاق أكبر ورشة سياسية وإقتصادية ومالية وإعمارية وإنمائية، لإعادة بناء ما تهدم، وإعادة لبنان إلى دوره الريادي في المنطقة على الصعد كافة، وإستعادة ثقة العالم به، موظفاً كل طاقاته وخبراته وعلاقاته وما يتمتع به من ثقة وتقدير عربي وعالمي، لتحقيق مشروعه الوطني المتكامل، بهدف إعادة ترسيخ السلم الأهلي والوحدة الوطنية والإستقرار الإجتماعي والنهوض الإقتصادي، من خلال محو كل آثار الحرب، ومعاودة البناء على أسس ومرتكزات حديثة ومتطورة، تواكب حركة العصر، وإستعادة لبنان تصنيفه كواحد من البلدان المتقدمة في المنطقة…
إلا أن لأمانة التاريخية وعلى سبيل الإنصاف، تقتضي بكل جرأة أدبية وشجاعة أخلاقية، الإقرار بموضوعية أن تنفيذ مشروعاً عملاقاً بهذا الحجم خلال فترة زمنية قياسية، وسط غابة “وحوش السياسة” المفترسين، أن يكتنف تنفيذه أخطاء وشوائب من مختلف الأحجام، وأن يترافق ذلك مع هدر وفساد وسمسرات ورشاوى وتلزيمات بالتراضي (وما هو أكثر من ذلك)… التي كانت عرضة للنقد البناء والهادف من قبل سياسيين مشهود لهم بالنزاهة والمصداقية، سواء من داخل المجلس النيابي أو من خارجه،
لكن كان الرئيس الشهيد ورغم حضوره غير قادر على وقفها أو منعها، لأن في حال أقدم على ذلك، ستوضع أمامه المعوقات والصعوبات والعراقيل المفتعلة، إما للإبتزاز السياسي والمالي، أو منعاً لتعاظم دوره المحلي والإقليمي والدولي!!!
ورغم ذلك، تمكن بإصراره وصلابته، وحنكته السياسية والتفاوضية والحوارية مع الفرقاء اللبنانيين ومع الراعي الإقليمي، من تنفيذ أجزاء (بالقدر الذي سمح به) من مشروعه الطموح والواعد، وبالتالي تمكن من نقل لبنان من مرحلة إلى مرحلة، وإعادته إلى الخارطة العالمية، بسرعة قياسية، أدهشت العالم وأذهلته، وجعلته قبلة للإستثمار بكل أوجهه، ومحط أنظار رجال الأعمال من مختلف المجالات والإختصاصات ومن مختلف دول العالم…
****
…في الذكرى المزلزلة لإغتال الوطن بإغتيال رفيق الحريري (الرجل والمشروع)؛ وإزاء المستقبل الغامض والبالغ الخطورة للبنان الدولة والكيان، من جراء التداعيات الكارثية “الجهنمية” للتطورات وللتحولات الجذرية في المنطقة، ووسط هذا الإنهيار الشامل الذي يضرب كل مقومات ومكونات الدولة والشعب، مما يهدد وجودهما!!! المطلوب العودة إلى الجذور والينبوع، العودة إلى عناوين وتوجهات الأسس والمرتكزات الصلبة لمشروع الرئيس الشهيد، الذي ما يزال حاجة وطنية ملحة ومنطلقاً أساسياً لإنقاذ لبنان قبل وقعه الأخير في الدرك الأسفل من الإنهيار الكامل.
هنا لا بد من التذكر والتكير توصيف الرئيس نبيه بري للشهيد “بالدولة المتحركة”، والذي قال فيه الشيخ محمد بن راشد: “أنني أنفذ كل الأحلام التي كانت تراودته ومنع من تحقيقها”…
لكن هذه العودة ل”تراث” رفيق الحريري لا ولن تتحقق إلا بعد المراجعة الذاتية النقدية بشجاعة ومسؤولية وبموضوعية لكل المرحلة التي أعقبت الإغتيال المزلزل، بكل محطاتها ومفاصلها، والتوقف مطولاً خلال عملية المراجعة هذه أمام أداء ورهانات وإرتباطات و”آجندات” وأطماع من تظلل من الأصدقاء والمقربين قبل الطارئين الجدد بما توافقوا على تسميته “الحريرية” للتستر بها وإخفاء حقيقة مآربهم بالإستلاء على إرث سعد الحريري حياً، بعدما فشلوا في وراثة رفيق الحريري شهيداً، بعدما أفادوا منهما وأكلوا من صحنهما، ثم إنقلبوا على الحريري الإبن، بحثاً عن كسب ودٍ لم يأت، ليكونوا زعماء رديفين من الدرجة الثالثة لن ينالوها!!!
كذلك لا بد أيضاً في سياق المراجعة من إعادة نسج العلاقات سياسية مع مختلف الأطراف والفرقاء، بعيداً عن المحاباة والمجاملة، على قاعدة الواقعية الساسية، بعد تعاقب الجميع من حلفاء وأصدقاء وخصوم ومنتقمين على ممارسة شتى أشكال المناكفات والإبتزاز والقصف السياسي من العيار الثقيل، والتعامل معه تقرباً أو إبتعاداً على “القطعة”(!) ليتوجوا ممارساتهم المسمومة بالإفادة من غياب سعد الحريري عن المسرح السياسي لتعزيز حضورهم في الداخل والخارج!!!
الخلاصة الوطن بأسره (وليس سعد الحريري وتياره السياسي) يحتاج إلى إعادة إنتاج المشروع الوطني بكل أبعاده ومندرجاته للرئيس الشهيد رفيق الحريري، عله يشكل الفرصة الأخيرة لإنقاذ لبنانه الحبيب وشعبه الطيب من الموت المحتم.. وهذا يحتاج إلى الأوفياء الخلص الذين آمنوابه، وليس من ركب موجة “الحريرية السياسية”…
****

زياد سامي عيتاني
*إعلامي

شاهد أيضاً

رئيسا الجمهورية والحكومة أعلناها حرباً

بقلم علي خيرالله شريف إنها خطة رُسِمَت منذ ما قبل تعيينهما في الرئاستين، بالمداولات والغربلات، …