لبنان: سلطة الغباء تمارس البغاء…!!!

 

الكاتب: محمد هزيمة – باحث استراتيجي

ليست مبالغة أن لبنان مهدد بوجوده وكيانه، فهل من يتعظ؟ ولا ننتظر أن يحاسب التاريخ سلطةً مارقةً على رعونة سياسية لعبت بمصير وطن، وكتبت مقدمات حرب أهلية، وهذا أضعف الاحتمالات…
“الأمر ليس سيئًا للغاية بالنسبة لنا، دعوا حكومة لبنان تُحارب حزب الله”. هذا ما قالته إسرائيل بلسان محرر الشؤون العسكرية والاستراتيجية على القناة الثالثة عشرة، وأردف قائلًا لضيفه، عضو الكنيست المتطرف ورئيس لجنة الدفاع والأمن الصهيونية، الذي أجابه بلا خجل:
“هذا هو الهدف منذ البداية.”
فهل عرفت السلطة، ومن يهلل لها، خطورة ما اقترفت؟! وكيف باعت الوطن بدراهم الخنوع والخضوع في سوق الرق والعمالة، الذي سُمّي اتفاق الإطار؟! وهل غاب عن المدافعين والمطبلين والمزمرين أن الهدف الفعلي هو تحميل الجيش اللبناني وزر مهمة نزع سلاح حزب الله؟! بقرار فيه انقلاب على الثوابت الوطنية التي حكمت لبنان، وأسقط ميثاق العيش المشترك، أساس الدستور، الذي انتُهك منذ الخطوة الأولى لتشكيل السلطة، واستُتبع بشكل الحكومة قبل بيانها، الذي تحول إلى فولكلور ولم يكن برنامجًا سياسيًا على أساسه نالت ثقة المجلس ضمن نظام برلماني سقطت حدود صلاحياته أمام إرادة المشروع الأميركي، وإسهام سعودي لعبت فيه عصا يزيد بن فرحان دور المطاوِع السياسي على نواب خلعوا قناع العروبة، ومزقوا ثوب الوطنية، وركبوا موجة التبعية، مولين وجوههم شطر ما يطلبه المشروع الأميركي للشرق الأوسط، وما تحتاجه حكومة نتنياهو والمتطرفون لإسرائيل الكبرى بحدودها الطورانية، من الفرات إلى النيل، ومن الأرز إلى النخيل، المتولدة من حرب هرمجدون التلمودية، التي تخوض إسرائيل جولاتها من غزة، وهولوكوست مصورة ارتُكبت على أرضها، كشفت حقيقة إسرائيل أمام شعوب العالم: كيان مكروه، وحكومة مجرمة، رئيسها ملاحق أمام المحاكم الدولية بجرم إبادة شعب، تُضاف إلى نتيجة ميدانية شكلت هزيمة استراتيجية لكيان مكشوف ومحاصر، يقاتل بعكس العقيدة التي بُني عليها جيشه، الذي سقطت أسطورته على الحدود اللبنانية، وتقهقر أمام إرادة مقاوم وصمود شعب يقاتل بصموده في معركة وجود، ينتزع الحياة من قلب الموت، ويواجه مجازر تقتل البشر والحجر، بإيمان وعقيدة شكّلا عقدةً لداخل مسموم لا يفهم حب الحياة بكرامة.
ركب موجة أراد فرض شروطها بعد انقلاب قادته واشنطن، قلب معالم السياسة في لبنان، وشكل سلطةً مهمتها نزع ورقة القوة الوحيدة التي يمتلكها لبنان في مواجهة المشروع التوسعي الإسرائيلي والعدوان المستمر منذ الاستقلال، وهي “المقاومة”، أيديولوجيا الشهادة التي انتصرت على تكنولوجيا قتل الروح وتشويه معالم الإنسان.
بلا مجاملة، نجحت إسرائيل في تهيئة الظروف لحرب أهلية سوّقتها واشنطن على أنها سلام، في ظل تشكيك قادة إسرائيل بقدرة الحكومة اللبنانية على القيام بمهمة مواجهة بيئة المقاومة. وهذه مشكلة، بنظر الأميركي قبل الإسرائيلي، عمل الأميركي على معالجتها وفق الإطار، وبملحق أمني خاص يؤمن دعم الحكومة في محاربة حزب الله، لتكون قوية بما يكفي لإيصال بيئة المقاومة إلى حال الانهيار.
وبذلك تكون أميركا وإسرائيل قد سجلتا نجاحًا مطلقًا على إيران من الجبهة اللبنانية، تعويضًا عن فشل الحرب على إيران ونجاحها في فرض معادلة استراتيجية أجبرت ترامب على التماهي معها والخضوع لشروطها، على حساب نتنياهو، الذي أعاد الاعتبار لنفسه من نافذة الإطار، وهو المستفيد الأول منه، يصرفه في مواجهة أزماته الداخلية، ويشكل له طوق نجاة يدعم حملته الانتخابية، إذ أصبحت بنود الإطار برنامجًا لحملته الانتخابية، وتقطع طريق الضغوط القضائية.
بدأ كلامه للمستوطنين الصهاينة بجملة دغدغت مشاعرهم:
“حاول الإيرانيون إخراجنا من جنوب لبنان بكل الوسائل، لكن أشكر حكومة لبنان على الاتفاق الذي يُبقينا في المنطقة الصفراء، وهي مناطق حيوية لنا.”
وبذلك يكون نتنياهو قد نجح، مع الحكومة اللبنانية، في تأمين إطار جامع انتقل من مرحلة تقاطع المصالح إلى تكامل الأهداف، على حساب الوطن والدستور والميثاق والقانون والثوابت والهوية، وأدخل لبنان منزلقًا هدد وجوده بربطه بالمشروع الأميركي مباشرة، خارج الإجماع العربي ومبادرة بيروت، ومعادلة السلام الموهوم وسراب حل الدولتين، التي دفنها نتنياهو، مستميتًا لتغيير معادلة استراتيجية فرضتها نتائج الحرب، وكرستها طاولة إسلام آباد، التي غيرت معالم القوى، وبدلت ديموغرافيا التوازنات الدولية.
أصبحت إسرائيل خارج نادي الدولة الأقوى في الشرق الأوسط، وقُلب المشروع الأميركي الذي تعثر، وتكسرت أمواجه أمام جبال إيران، وجغرافيا سياسية تحكمها مصالح الأسواق العالمية، وفيها مضيق هرمز، شريان حياة بيد إيران، تقع في قلبه الجبهة اللبنانية، نموذجًا لوطن قوي بمقاومته، ضمن حدود جيوسياسية تبدأ بمضيق هرمز، وتمر بباب المندب، وتصل إلى البحر المتوسط، الوجهة الجديدة لاستثمارات الطاقة التي يسيل عليها لعاب أميركا، وجموح إسرائيل.
له بعد يربط السياسة بالاقتصاد والأمن، هيأت له واشنطن كامل الظروف بحكومات وظيفتها الحراسة على حساب السيادة. ففيها لبنان لا يمارس سيادة كاملة كدولة، بل تقوم السلطة بوظيفة أمنية لإسرائيل، تضبط الحدود الجنوبية، وتعمل كإدارة أمن أو حاجز، وليس كدولة ذات سيادة، فتتحول من دولة تخدم مواطنيها إلى سلطة تراقب الحدود ضمن مهمة تحفظ وجودها.
وهذا لن ينجح على حساب معادلات إقليمية ودولية، لأن لبنان بند رئيس فيها، تحميه قوة قادرة وإرادة في حرب وجود، سقط فيها الاستقرار أولًا، وسقط معه اتفاق الطائف بسقوط الميثاق، ما يقود إلى معركة أسقطت الحدود الجغرافية، فأصبحت حدود لبنان تمتد، وفق هذه المعادلة، بين مضيق هرمز وباب المندب، مرورًا بقلب العراق، وسط توازنات جيوسياسية فرضت نظامًا عالميًا تعدديًا على أنقاض أحادية القطب الأميركية، معادلة أصبح فيها ترامب عبئًا سياسيًا، وبدأت مرحلة تدوير الأطر السياسية التي أوجدها الأميركي، وانتهت صلاحيتها..

شاهد أيضاً

أمسية شعرية تكريمية بعنوان( الأب بخير انت بخير)

مصطفى غنوم. أقام منتدى شاعر الميناء الشعبي بالتعاون مع مركز النهوض الإعلامي وبرعاية نقابة فنانين …