إعداد وحوار الشاعرة رانية مرعي
عبده لبكي، شاعر وأديب ومؤلف وأستاذ محاضر في اللغة العربية منذ ما يربو على الأربعين عاماً .
من رواد شعر ما بعد الحداثة، ولي مقالات عدة حول اللغة والتعليم .
مؤسس وصاحب “دار الإبداع الحرف الذهبي” .
لي عدة دوواين شعرية بالفصحى والعامية آخرها “قمر يسكن النافذة”…
من دواويني الشعريّة:
-كتابة على جدار
-لأنّكِ وحدكِ حبيبتي
-الرّصيف وقمح الآلهة
-حبّك زنبقة الظلمة
-قمرٌ يسكن النافذة
-لكيما جسدٌ قديمٌ لنا يتحرّر
ولي أيضاً :
مقالات عديدة في النقد الأدبي واللغة العربيّة فضلاً عن دراسات أدبيّة وفلسفيّة متنوّعة نشرت في الصّحف ولاسيّما في جريدة النهار.
الشاعر والأديب عبده لبكي:
لا أحد يستطيع أن يتصرّف على هواه بمنطق اللغة
ولا بجماليّتها التي تفوق بسحرها بياناً وإيقاعاً أيّ لغةٍ أخرى

* اسم عبده لبكي يحفظه طلابنا عن ظهر قلب وحب، اذ يرافقهم في كل مراحل دراستهم.
ما هي رسالتك إليهم تحديدًا في هذه الفترة المصيريّة؟
أشعر بفرح عميق عندما أسمع أنّ الطلاب في وطني يحفظون اسمي ويذكرونني .. وما أحبّ هذا الشعور .. أن يكون لي حضور في وجدان من يُسعدني تعليمهم وتثقيفهم وأن أرى فيهم وجه لبنان الغد مشرقاً وجميلاً ..
ورسالتي إليهم نابعة من فلسفتي في دور المعلّم ورسالته وهي بناء إنسانٍ يتمتّع بالقيم الأخلاقيّة والوطنيّة لبناء وطنٍ ننهض به على كلّ صعيد، ولنفاخر العالم بعظمة شعبنا.
*عندما يكتبُ الشاعر للمرأة الحبيبة، هل يتوجه إلى هذا الكائن المحسوس أو إلى الطّيف الذي يسكن فردوس أحلامه؟
إليهما معاً .. فالمرأة الحبيبة لا بدّ من أن تسكن الأحلام كي لا تخرج من حيّز الواقع لأنّ بين المرأة الجسد والمرأة الحلم اتّحاد وعلاقة ملموسة في الخيال ولأنّ تجربة الحبّ حسيّة وروحيّة معاً بل استبداديّة إلى حدّ التجسيد يالفعل والشعر معاً .
ولا أعتقد أنّ أحداً يستطيع فهم سرّ الخلق خارج الشكل الجمالي لجسد المرأة وبالتالي التعبير عن التجربة الشعريّة أمامه وهو في رأيي أكمل الأشكال..
*منحتك لجنة الأديب “جان سالمه” جائزتها السنوية للعام 2021 في احتفال أُقيم في قاعة بلدية بعبدات مسقط رأسك.
حدثنا عن الجائزة وأهدافها.
لقد شرّفتني لجنة الأديب “جان سالمة” بمنحي جائزتها السنويّة للعام ٢٠٢١ وهي تمنح لمن يتميّزون بالإبداع والتجديد ومن أهدافها التقدير والشهادة لإهميّة الإنتاج الأدبي الرّاقي في مسيرتنا وتراثنا وأوجّه لها جزيل الشكر والامتنان.
*الكاتب، النَّاقد، الشَّاعر والنَّاشر، علاقتك بالكلمة أمانة وشرف.
في زمن استباحة حرمة اللغة، كيف يدافع عبده لبكي عن الجمال والحقيقة؟
بأن أشهد للحقّ دون مسايرة أو مواربة أو محاباة “اشهدوا للحقّ والحقّ يُحرّركم” من ( الإنجيل المقدّس )
مهما حاول ضعفاء النفوس أن يغتالوا الحقيقة فلن يُفلحوا لأنّ الحقيقة مُستقلّةٌ عن إرادة البشر ورغباتهم وهي تشهد لنفسها ..
واهمٌ من يظنّ أنّه يستطيع طمسها
ولاسيّما في ما يتعلّق باللغة وأصولها وطبيعتها الفِقْهيّة (المورفولوجيّة) لا أحد يستطيع أن يتصرّف على هواه بمنطق اللغة ولا بجماليّتها التي تفوق بسحرها بياناً وإيقاعاً أيّ لغةٍ أخرى وأدافع عنها بالحفاظ على جذورها والإبداع الحقيقيّ بها وتجديد آفاقها الفنيّة والتزام حريّتها ولا تعارض بين أصالة اللغة وحرّية التركيب التعبيري بل إن حياة اللغة واستمراريّتها رهنٌ بذلك.
*تقول في كتابك “لكيما جسدٌ قديمٌ لنا يتحرر”:
“العالم خطأ قديم”.
هل هذا القديم مرتبط بزمن الدم المسفوك على يد قايين أو صلب السيد المسيح أو كربلاء ، والقائمة تطول.
للتاريخ البشري دائرتان منفصلتان ولكن تتداخلان في حيّزٍ صغير لكليهما: دائرة الله ودائرة العالم
لذلك قال لنا المسيح: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لِلّه لِلّه” .. وقال أيضاً: “أنا غلبت العالم”
في ضوء هذا المفهوم نعم لقد حدث أمرٌ ما بعد الخلق جعل من العالم خطأً قديماً ممّا فتح للخطيئة باباً واسعاً فيما كان باب الخلاص مُقفلاً (هذا على المستوى اللاهوتي) ولهذا السّبب كان لا بدّ من مجيء المسيح ليفتح الباب بين الأرض والسماء باب الحياة الأبديّة حتّى يستطيع أن يعبره كلّ من يستحقّ الخلاص ولا أحد يستطيع ذلك ألّا من هو من ذاتِ الله أي “المسيح”..
وكان لا بدّ من ثمن: الألم والدّم والتّضحية والموت أمام عظمة الله تمجيداً له وتكفيراً عنّا والأهم الانتصار على الموت لاستمرار الحياة وهذا ما لا يقدر عليه غير الله ..
أقول هذا للمؤمن أمّا غير المؤمن فله أن ينكر قدر ما يريد.. وليس الإلحاد وإنكار الخلاص الأبديّ بجديد إنّه قديمٌ قدم الخلق وما زال مستمرّاً حتّى اليوم .. أليس ما نشهده من شرور وعداوات ومنازعات وحروب وطغيان الكذب واستبداد وظلم وجشع وكبرياء وعبادة الأنا وتكالب على خيرات الأرض مِمّا يتسبّب بما يعانيه البشر من مآسٍ في هذه الفانية أليس هو إمعاناً في تحدّي الخالق!؟ إنّه قايين يعيث اليوم فساداً في الأرض!
*أقتبس كلامًا قلتَه في مقابلة لك، أنّ من القيم الخلقية المهمة أن يعرف الإنسان ما يستحق وما لا يستحق .
متى يصل العقل الى هذه الدرجة السامية من القدرة والقوة؟
عندما يُدرك الكائن البشري أنّه محدودٌ في الزّمان والمكان وأنّه لا يستطيع بقدراته الهزيلة أن يبلغ المستحيل عندئذٍ يصبح اكثر تطوّراً ووعياً ورقيّاً فيُميّز بين ما يستحقّ وما لا يستحقّ بين ما يحقّ له أنْ يناله وما ليس من حقّه أن يغتصبه أو يستولي عليه بالقهر والغلبة خارجاً على القيم والضمير إذْ ذاك يُمكن أن يعيش بسلام متصالحاً مع نفسه ومع أخيه في الإنسانيّة ومع العالم ومع الله!
*لبنان الذي أرهقه العابثون والدخلاء والمتعصبون، كيف يخاطبه قلمك المثقل بقيم المحبة والإيمان؟
لو عرف اللبنانيّون ما يتميّز به وطنهم من جمال ومن قيم إنسانيّة وتاريخيّة لما انحدروا به إلى ما نحن فيه اليوم . المشكلة أنّ من يتولّى شأنه السياسي والحضاري
يعبثون به غير آبهين بما فيه من طاقات بشريّة وموارد اقتصادية وطبيعيّة فإمّا هم جهلة أغبياء وإمّا هم متواطئون وجلّ همهم أن يتنعّموا بالسلطة والمال وشتّان ما بين السلطة والدولة، السلطة تخدم أصحابها وتهدم الدولة لأنّها قائمةٌ على المنازعة أمّا الدّولة فهي بناء وعمران في خدمة الشعب لأنّها قائمةٌ على التعاون من أجل الصالح العام ولسوء طالعنا فإنّ حكّامنا يضحّون بالوطن من أجل السلطة ويسمحون للدّخلاء بأن يعبثوا بمصيره طالما هم تحت غطائهم وهذا منتهى العقم والتخلّف ..
نحن بحاجةٍ إلى عظماء في التاريخ إلى أنقياء إلى شعراء إلى علماء إلى فلاسفة إلى مبدعين إلى قادة يُضحّون بأنفسهم من أجل شعبٍ واحد في وطنٍ واحد..
*أترك لك الختام مع قصيدة تهديها لقرّاء كواليس
يحدُث وأنا في حديقتي
أهيمُ وحيداً
أنْ يلازمني عصفورٌ غريب
ولكنْ يُغنّي
مُتَجاهلاً كلّ ما يجري
لِلبشر
يحدث أنْ أقطف زهرةً
لامرأةٍ بعيدةٍ جدّاً في الزّمن
لعلّها تعود
كما يحدث أنْ أسمع صوت أبي
بأُذُنَي طفل
فيما الشّمس تغيب
تاركةً لي منديلاً
منديلاً وَحَسْب ..
يحدث أن يلبس الهواء
ثوب راهبٍ
ويجلس قبالتي
دون أنْ ينبس بِبِنت شَفَة
ثمّ تمرّ نملةٌ
من عهد فرعون
وتنظر إليّ بعينٍ ساخرة
هكذا .. فقط
ويحدث مساءً
أنْ أبكي على مصير العالم
قبل أنْ أذهب إلى النّوم!
تحية كواليس
علاقة وطيدة بين الإيمان والسلام الروحي، وهذا ما يبدو عليه الشاعر الأديب عبده لبكي، والذي رغم لمعان إسمه في فضاءات أجيالنا إلا أنه يتعامل بفرح طفولي وتواضع عالم يفترش البساطة ويحفظ تعاليم المسيح لزرع حقول حياتنا بالمحبة فحفظ اللغة وعشقها حرة أصيلة قديمة متجددة ونافذة يطل عبرها على مفردات تعطر مشاعره وتصيغها عقداَ بحراً ونسمات منعشة.
بينكما المحاور والضيف، كانت الكلمات عميقة رائعة رزينة وساحرة، فكان السؤال باحثاً ليأتي الجواب موضحاً.. وهل أجمل من منافسة العظماء؟.
حوار غني بمفرداته وخفة ظله وعمق بحره وصفاء فضاءاته.
الحوار مع الشاعر والأديب الأستاذ عبده لبكي شكل إضافة مميزة في بداية عام 2022 لتؤكد عبره الشاعرة الغالية رانية مرعي أنها الحريصة على أن تبقى الرائعة المتجددة كالفصول المعطاءة كالمطر والجميلة كربيع يفوح بعطر النرجس والياسمين
فاطمة فقيه
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
