بعد أتفاق الذل، الحكمة في مواجهة فخ الحرب الداخلية

بقلم الكاتب نضال عيسى 

بعد توقيع السلطة اللبنانية على أتفاق الذل مع العدو الإسرائيلي، دخل لبنان في مرحلة سياسية وأمنية بالغة الدقة. المشهد اليوم ليس مواجهة حدود فقط، بل هو معركة وعي وصبر قبل أن تكون معركة سلاح.
الأتفاق الذي رفضه الثنائي الوطني وحلفائه من اللحظة الأولى، لا يحمل أي ضمانات سيادية. الهدف المعلن إسرائيلياً هو (ترتيب الوضع) ، أما الهدف الحقيقي فهو تفكيك معادلة الردع التي أرستها المقاومة.
إسرائيل اليوم تدرك أنها لا تستطيع تحقيق أهدافها عسكرياً بالكامل، فانتقلت إلى خطة أخطر، جرّ لبنان إلى حرب أهلية تحت عنوان الخلاف حول الأتفاق. فإذا إنقسم الداخل، سقطت المقاومة من الداخل دون أن تطلق تل أبيب رصاصة واحدة.
القيادة الحكيمة للمقاومة تتعامل مع المشهد بناءً على تشخيص دقيق لثلاث جبهات خطيرة جدا”
(1)العدو الإسرائيلي يبقى الخطر الخارجي الأول وهو يراهن على الوقت، وعلى فرض وقائع جديدة تحت غطاء (أتفاق) لا شرعية وطنية له.
(2)الفئة الداخلية المناهضة للمقاومة من قوى سياسية وإعلامية تعمل على تأجيج الخلاف وتغذية الأستفزاز الطائفي والمناطقي. هدفها تحويل رفض الأتفاق من موقف وطني جامع إلى ساحة صراع داخلي.
(3)الجماعات الإرهابية وخلايا الجولاني النائمة ورغم الخطاب العلني الذي ينفي أي نية للدخول إلى لبنان، إلا أن تحريك هذه الخلايا في التوقيت المناسب هو الورقة الأحتياطية لإشعال الفوضى المسلحة إذا فشل مشروع الفتنة السياسية.
والسؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم من مؤيدي المقاومة وهذا طبعا” حق لهم ، (لماذا لا ينزل الشارع لإسقاط السلطة التي وقعت؟)
الجواب المنطقي واضح وهو ما تقوم به قيادة الثنائي الوطني وحلفائهم، إسقاط الحكومة الآن بالشارع هو بالضبط ما تريده إسرائيل.
(أولا”) أي فراغ حكومي أو صدام داخلي في هذه اللحظة سيفتح الباب أمام الفوضى، وستكون الجماعات الإرهابية أول من يستثمرها. لذلك، التصرف اليوم يحتاج إلى (حكمة المقاومة) وليس إلى أنفعال الشارع. المقاومة ترفض أن تقدم لإسرائيل هدية الحرب الأهلية على طبق من ذهب.
التمسك بخيار المقاومة كضامن للسيادة وكرافض لأي أتفاق إذعان. المقاومة لم تسلم سلاحها، ولن تكون شريكة في شرعنة الإحتلال تحت أي مسمى.
(ثانيا”) إحباط مشروع الحرب الأهلية عبر ضبط السلم الداخلي، أي استفزاز أو رد فعل متسرع سيحقق هدف العدو. لذلك نشهد خطاباً سياسياً هادئاً، وحراكاً برلمانياً وشعبياً منظماً بدل الفوضى.
هنا يبرز الدور المحوري لدولة الرئيس نبيه بري. الرجل الذي أسقط (أتفاق 17 أيار) عام 1983 بالصبر السياسي والتحالفات الوطنية، هو اليوم في الواجهة لإسقاط هذا الأتفاق الجديد.
الرئيس نبيه بري يتحرك مع حلفائه على مسارين متوازيين.
أولا” سياسياً لعزل الأتفاق ورفض إعطائه غطاء نيابياً أو شعبياً، وتحويله إلى حبر على ورق.
ووطنياً للحفاظ على وحدة الموقف الرافض، ومنع تحويل الخلاف حول الأتفاق إلى فتنة داخلية.
من هنا نرى بأن المعركة اليوم هي معركة الوعي قبل معركة الشارع.
لذلك على كل مَن يقف مع المقاومة في مواجهة العدو، أن يقف اليوم خلف قيادته السياسية بنفس الروح والعزيمة والثبات. المعركة أنتقلت من الجبهة إلى الداخل. المطلوب الآن هو رفض الأتفاق بكل الوسائل السياسية والدستورية، مع منع أي فتنة داخلية تخدم إسرائيل.
اللحظة ليست لحظة تهور، بل لحظة حكمة. فمَن أنتصر بصمود المقاومة في الميدان، يستطيع أن ينتصر بوعيه في السياسة.

نضال عيسى

شاهد أيضاً

من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان: معركة السيادة الكبرى في مواجهة الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية

الإعلامية جمانة كرم عياد 2026/06/27 *وضعية الحرب الحقيقية، كما وردت في مختلف وسائل الإعلام المعادي …