سأحدثكم عن بيروت (٥)

 

“عالبلد”؟

زياد سامي عيتاني

عالبلد؟ سؤال مقروناً مع “نقرة زمور” إعتاد سائق “السرفيس”، توجيهه كلما لمح شخصاً واقفاً على الرصيف، خلال جولاته في مختلف المناطق، ضمن خطوط سير، وصولاً إلى “البلد”، أي ساحة البرج.. مكان نزول الركاب، لينطلق بدورة ثانية إياباً مع ركاب جدد، ساكاً نفس الخط الذي يعمل عليه…

لعلّ ما دفعنا للعودة بالذاكرة لهذه الحقبة الزمنية الغابرة من تاريخ بيروت، هو الإرتفاع الجنوني بأسعار المحروقات (في حال توفرت)، تسبببت ببلوغه كلفتها حد جنوني، لم يعد المواطن العادي تحمل أعباءها!!!
في ذلك الوقت، كان إمتلاك السيارات الخصوصية محصوراً بالمقتدرين والأثرياء، لذلك كان النقل العام هو الوسيلة الرائجة للتنقل عند عامة الناس، وكان “السرفيس” الأكثر رواجاً وإعتماداً، نظراً لأجرتها المقبولة، وللحالة الجيدة للسيارات المخصصة لها.
“السرفيس” (Service) تعني “خدمة”، و الكلمة تركها الإنتداب الفرنسي على ألسنة اللبنانيين كغيرها من الكلمات المتداولة هتى يومنا، و” السرفيس” في باقي الدول العربية هي “سيارة الأجرة”.
وهي في الواقع إختراع أو بدعة لبنانية، لا ترى مثيلاً لها في بلد آخر.
وكان ملفتاً أن سيارات “السرفيس” كلها من طراز “مرسيدس” 180-190″ ، ويعود سبب ذلك لأن “شركة توفيق غرغور” (وكيلة “مرسيدس” في لبنان) قامت بتخفيض سعر هذا الطراز من سياراتها المناسب لشوارع بيروت، و المتمتع بقدرة فائقة على التحمل، و أعطت بعد ذلك تسهيلات للسائقين ولشركات النقل، فأقبل هؤلاء على إقتناء ذلك الطراز، بينما تحول طرازي (200 و280) إلى “تاكسي خصوصي”.
كانت سيارات “السرفيس” الدوارة في الشوارع تلملم الركاب، حتى تمتلئ بخمسة، أي سعتها، ثلاثة في المقعد الخلفي وإثنان في المقعد الأمامي إلى جانب “الشوفير”، إذا حينها “الفيتيس” لم يكن موضعه أرضي، بل كان جزءاً من “الدركسيون”، مما يتيح جلوس راكبين “زرك” إلى جانب السواق.
وكلما نزل راكب مع وصوله إلى مقصده، يعود السائق مجدداً “لنقر زموره” كي يصطاد راكباً بديلاً، حيث تكون عيونه شاخصة بإتجاه الأرصفة، التي عادة ما يقف عليها منتظري “السرفيس”،يسأله الراغب بالركوب عما إذا كان خط سيره يتماشى مع وجهته، فيهز برأسه موافقاً، أو يقول له تفضل، حتى يصل إلى ساحة “البرج” بغلة غير منقوصة وبركاب خمسة.
يذكر أن أجرة “التوصيلة” كانت موحدة، وهي عبارة عن ربع ليرة، كان “شوفير المارسيدس” (لقب سائقي الأجرة) يزين بالعملات المعدنية من فئة النصف “الفضية” والربع ليرة “البرونزية” لوحة القياد بشكل نصف دائري، والباقي يضعها في علبة السيجارة، وإذا كان هناك من ليرات ورقية، فتوضع داخل مرد الشمس…
داخل سيارة “السرفيس” عالم متنقل قائم في ذاته. السائق يعتبرها مملكته، يضع على المرآة صور صغيرة لأولاده، فيما يلصق على “التابلو” ملصقات تحمل جمل: “لطفاً إغلب الباب بهدوء”، “يا رضى الله ورضى الوالدين”، “ممنوع التدخين” (وهو غالباً مدخن)، من راقب الناس مات هماً”…
“ألفوطة الصفرا” لا تفارقه، بل هي الرفيق الدائم له، لها إستخدامات عديدة، يضعها إما على رقبته أيام الحر لتمتص العرق أو على حضنه أيام الشتاء أو على الشباك ليريح يده عليها، فضلاً عن الزجاج حتى تكون الرؤية واضحة.
يفرض على الركاب ما هو راغب سماعه من “الراديو”، تارة يبحث عن موجة تذيع الأخبار، وتارات أخرى يبحث عن أغانٍ تلائم مزاجه، مضيفاً إليها صوته، مردداً بعض مقطعها بنشاذ محكم.
كما إن “الشوفير” يجيد فتح حوارات وأحاديث مع الركاب بحسب نوعيتهم، فإذا كنّ من الستات يركز نظراته غير البريئة أحياناً عليهن، ويتناول معهم أحاديث يعتقد أنها تندرج ضمن إهتمامهن، أما الرجال فيفتح معهم مواضيع سياسية وعامة، كونه يعتبر نفسه متابع للأخبار، فأحياناً يدور نقاش مختدم بينه وبين الركاب، و أحياناً يكون النقاش رتيباً وباهتاً، بسبب عدم التجاوب معه، فيعمد إلى رفع صوت الراديو…
هذه بإختصار بعضاً الإنطباعات التي كان يمكن للراكب أن يستخلصها خلال دورة “سرفيس” واحدة…
زياد سامي عيتاني

شاهد أيضاً

بين الحرب والسلام… منطقة تُدار بالاحتمال لا باليقين

بقلم الكاتبة والمربية: فاطمة يوسف بصل في لحظاتٍ تبدو فيها الجغرافيا أكثر توتّرًا من السياسة، …