بين الحرب والسلام… منطقة تُدار بالاحتمال لا باليقين

بقلم الكاتبة والمربية: فاطمة يوسف بصل

في لحظاتٍ تبدو فيها الجغرافيا أكثر توتّرًا من السياسة، لم يعد الشرق الأوسط يُقاس بما يُعلن من اتفاقات أو ما يُقال في المؤتمرات، بل بما يُترك معلقًا في فضاء الاحتمالات. فالمشهد ليس حربًا تُحسم ولا سلامًا يُنجز، بل حالة وسطى تُدار فيها المنطقة بمنطق الاحتمال لا بمنطق القرار، وبحسابات مفتوحة لا تقبل اليقين.
وفي هذا الفضاء الرمادي، تتداخل السياسة بالأمن، والميدان بالدبلوماسية، لتتشكل معادلة معقدة لا تعترف بالخطوط النهائية، بل تعيش على إيقاع التحول المستمر. بين من يرى في الصراع معركة وجود، ومن يراه صراع مصالح مفتوح، تبقى المنطقة عالقة بين تعريفين لا يلتقيان بسهولة.
الحروب الكبرى لا تنتهي حين يعلن الساسة نهايتها، بل حين تتوقف السماء عن إنذار الأرض، ويتحوّل الخوف من احتمالٍ قائم إلى ذكرى بعيدة. وما دامت المسيّرات تجوب الأفق، وما دامت الرسائل العسكرية تسبق لغة الدبلوماسية، فإن الحديث عن سلامٍ مستقرّ يبقى أقرب إلى أمنية معلّقة منه إلى واقعٍ مُنجز.
في الشرق الأوسط، لا تُقاس التحوّلات الكبرى ببيانات المؤتمرات ولا بصياغات التصريحات، بل بما تفرضه الوقائع على الأرض. فالسياسة قد تُجيد إخفاء نواياها خلف الكلمات، لكن السماء لا تُجامل، والتحركات العسكرية لا تُخادع، وموازين القوى لا تُبنى على حسن النوايا. لذلك يبدو الحديث عن نهاية مرحلة الصراع سابقًا لأوانه، في منطقة ما زالت تعيش على إيقاع الترقب والحسابات المفتوحة.
إن ما يجري اليوم لا يبدو مجرد مواجهة عابرة أو أزمة قابلة للاحتواء، بل جزءًا من مشهد إقليمي أعقد يتجاوز اللحظة الراهنة. فإسرائيل تنظر إلى الصراع بوصفه معركة وجود وموقع ودور في بنية المنطقة، لا مجرد ردّ فعل ظرفي. ومن هذا المنطلق، تأتي قراراتها العسكرية والأمنية ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى، تسعى إلى إعادة رسم البيئة المحيطة بها وفق معادلات جديدة.
في المقابل، ترى قوى المقاومة أن الصراع ليس نزاعًا حدوديًا أو سياسيًا، بل معركة مرتبطة بالسيادة والحقوق والهوية. ومن هنا، فإن أي تسوية لا تُلامس هذه العناوين تُقرأ كتنازل عن جوهر القضية، لا كمخرجٍ منها. وعندما يقتنع كل طرف بأنه يخوض معركة مصيرية، تتحوّل التسويات إلى استراحة مؤقتة بين جولات أطول.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني. فبينما تتحدث العواصم عن التهدئة وضبط النفس، تستمر الإشارات العسكرية والأمنية على أكثر من جبهة، وكأن المنطقة لا تخرج من حرب، بل تعيد ترتيب نفسها استعدادًا لما بعدها.
لقد أثبتت تجارب الشرق الأوسط أن الهدنات قد تُسكت البنادق، لكنها لا تُطفئ جذور الصراع. فكثير من الحروب انتهت على الورق، لكنها استمرت بأشكال أخرى في السياسة والاقتصاد والأمن. لذلك، فإن السلام الحقيقي لا يقوم على توازن الخوف، بل على معالجة الأسباب العميقة للنزاع، وإنتاج معادلات عادلة تُقنع الأطراف بأن الاستقرار أقل كلفة من المواجهة.
واليوم، يقف الشرق الأوسط عند لحظة دقيقة، تتأرجح بين تثبيت التهدئة أو الانزلاق إلى جولات جديدة من التصعيد. فإما أن تتحول التفاهمات الحالية إلى مسار استقرار طويل، وإما أن تبقى المنطقة أسيرة منطق الاستنزاف المفتوح، حيث يدفع الجميع الثمن دون حسم.
قد تصمت المدافع مؤقتًا، وقد تغيب المسيّرات عن السماء، لكن الحروب لا تنتهي حقًا إلا عندما يُهزم وهم الغلبة المطلقة في عقول المتصارعين. وحتى ذلك الحين، سيبقى الشرق الأوسط معلقًا بين سلامٍ لم يولد بعد ونارٍ لم تنطفئ تمامًا. وبين ضجيج القوة وهمس الدبلوماسية، تظل المنطقة واقفة على حافة الاحتمال، فيما يواصل التاريخ كتابة فصوله بالحبر والقلق معًا.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا فوق سماء المنطقة: من يملك قرار الحرب… ومن يملك شجاعة إنهائها؟
وفي نهاية هذا المشهد المعلّق بين دخان الاحتمالات ووميض القرارات المؤجَّلة، يبقى الشرق الأوسط كمن يمشي على حبلٍ مشدود فوق هاوية التاريخ، لا يستقرّ على أرضٍ ولا يطمئنّ إلى سماء. تتقاطع فيه رياح القوة كما تتقاطع السحب قبل العاصفة، وتتشابك فيه المصائر كما تتشابك خيوط الضوء في ليلٍ طويلٍ لا يعرف الفجر طريقه بعد.
قد تتبدّل الوجوه وتُعاد صياغة المعادلات، لكن جوهر الصراع يظلّ كجمرٍ تحت الرماد، ينتظر لحظة هبوب الريح ليكشف عن وجهه من جديد. وبين هدير المسيّرات وهمس المفاوضات، تتشكّل خرائط لا تُرسم بالحبر وحده، بل بارتجاف اللحظة وثقل الانتظار.
وهكذا، لا يغلق هذا المشهد صفحته، بل يتركها مفتوحة على مصراعيها أمام زمنٍ قادمٍ لم يقرّر بعد إن كان سيكتب اسمه في سجلّ السلام أم في أرشيف التوتر. فالتاريخ هنا لا يسير بخطٍ مستقيم، بل يدور في دوّامةٍ من الأسئلة، يكتبها الحاضر بمداد القلق، ويؤجّل الإجابات إلى حينٍ لا يُعرف متى يأتي.

شاهد أيضاً

الموقف الإسرائيلي الحقيقي تجاه الأتفاق الإيراني-الأمريكي

‏ بقلم د.علي محمد الزنم عضو مجلس النواب التطورات الأخيرة تشير أن أتفاق التهدئة أو …