عبدو_فياض
أن تاريخ سلطنة عمان بكل ممالك الخليج الزجاجية التي يراها ترامب نموذجا..هل ترى الخنوع الإماراتي والسعودي رغم كل التريليونات المصروفة على أحدث التقنيات العسكرية الأميركية؟..هل ترى كيف يقفون مرتعدين من إيران ومحتمين في العبري والإفرنجي؟..قارنهم فقط بتاريخ سلطنة عمان حتى تعرف الفارق..
يعتقد عوام العرب أن عمان مجرد دولة بسيطة ولا تعرف شيئا عن مقادير السياسة..عام 1507 تعرضت عمان لغزو برتغالي ساحق..وقتذاك كانت البرتغال إحدى أكبر قوتين على وجه الأرض مع إسبانيا..وفي ذلك التاريخ قرر فرانشيسكو ألميدا أن يرسل أحد أقوى جنرالاته وهو ألفونس البوكرك لاحتلال عمان..كان مغرورا مثل ترامب وأشد، وطالب العمانيين بدفع 10 آلاف من العملة الذهبية وإلا دمر مسقط..لم يدفع العمانيون وجنوا الثمن علقما بتدمير مسقط..وأصبحت عمان مستعمرة برتغالية..عشرات السنوات تحت الاحتلال، إلى أن تولى الحكم إحدى أعظم الأسر العربية وهم ” اليعاربة”..بويع للحكم ناصر بن مرشد في مدينة الرستاق، وبدأ حملته لطرد البرتغاليين بهزيمتهم في رأس الخيمة..ولن يتوقف الأمر إلا في عام 1649 بتحرير كامل أراضي السلطنة..هذه هي عمان التي يرغب ترامب في تحويلها لنسخة خليجية تشبه ربما دبي وأبو ظبي..هل تظن أن عمان توقفت هنا؟..القادم كان فصلا من أعظم فتوحات العرب الحديثة..
عمان طاردت البرتغال في مستعمراتها في آسيا وإفريقيا..وتلقت لشبونة هزيمة مروعة في الهند وتحديداً في مدينة جوا على يد سيف بن سلطان، الذي وصلت قواته البحرية لاحقاً إلى سلسيت ومتعالور ونجح في أسر 1400 برتغالي وعاد بهم لمسقط، ثم استولى العمانيون على مدينة مومباسا الكينية، ووصلوا لذروة نجاحاتهم في زنجبار، جنة القرنفل..كان ساحل شرق إفريقيا إما مستعمرة أو منطقة نفوذ عمانية، بفضل القوة البحرية الهائلة التي بنتها عمان من الصفر.. وصحيح..كانت عمان هي الدولة العربية الوحيدة التي تمتلك مستعمرات في الخارج حتى عام 1962..وقتها تواطأ العرب مع جوليوس نيريري حاكم تنزانيا، وجرى تصفية الوجود العماني بمجز*ة من الأكثر ترويعا في التاريخ..20 ألف ضحية عمانية جرى نح*ها من الوريد للوريد، وألقيت في مياه المحيط..في الوقت الذي كانت فيه الإمارات في رحم التاريخ، مجرد طفيلات لا تعرف الكتابة والقراءة وتسكن في صحاري لا تستطيع مغادرتها سوى بإذن من عمان..كانت السلطنة تحتفل بأربعة قرون على هزيمة البرتغال..كانت عمان أصلا هي قوة الردع التاريخية الوحيدة أمام أسطول فارس القوي في بندر عباس، في حين أن إمارات عيال زايد لم تقدر على استرداد شبر من جزرها المحتلة على يد الشاه..
يلوم عربان الخليج سلطنة عمان على موقف التوازن مع إيران..فلنتذكر التاريخ جيداً..عانت عمان في القرن العشرين من فترة انحطاط تاريخي سحيق بعد أن بلغت ذروة المجد..وحين بدأت تسترد عافيتها في مطلع السبعينات أرسل السلطان قابوس سعود بن على الخليلي مندوباً عنه عام 1971 من أجل أن يخطب الود، ويحصل على مقعد لبلاده في جامعة الدول العربية..اعترضت دولة لمدة 6 أشهر كاملة وعلقت الطلب العماني وهي السعودية..ثم كانت السعودية نفسها من امتنع عن التصويت في الأمم المتحدة على قبول عضوية عمان في الجمعية العامة..السعودية وكوبا..في حين وافقت 117 دولة..عمان لن تنصاع لعربان الخليج ببساطة..لمخزونها التاريخي الذي لا يعرف عنه محدثو النفط شيئا، ولأنها أدركت من اللحظة الأولى أنه لن يجمعها بجنون عربان الخليج حيز سياسي وإن فرضت الجغرافيا الجوار الإجباري..سأخبرك كيف ذلك..
عمان عضو في مجلس التعاون الخليجي..صحيح.. لكنها ستوقع اتفاق تعاون دفاعي مشترك مع إيران عام 2009..هي عضو راغب في صعود خليجي موحد لكن ليس بالأثمان الإماراتية التي تجر الخليج نحو الصدام مع الجميع، ولذا رفضت حصار قطر وقت أزمتها، وبالتأكيد ليس بالأثمان السعودية التي ترغب في تحويل الخليج لمستعمرة كبيرة تحت السيادة الأميركية..ولذلك هي الدولة التي حظت بثقة هائلة من الكل.. وبهدوء شديد كانت هي بطل الاتفاق النووي عام 2015 وكانت ساحة التقريب في عامي 25 و 26 قبل الغدر الأميركي..وقبلها كانت الرسول الأول في مخاطبة القاهرة لطهران كما في أزمتي احتجاز البحارة المصريين، ومحاولة طهران إقامة قاعدة بحرية في بورتسودان..سلطنة عمان تلك التي خرج كبار مرجعيتها الدينية من الدقيقة الأولى مؤيدين لأبطال القطاع، وخرج وزير خارجيتها لتحميل الخليج بوضوح مسئولية العدوان على إيران..سلطنة عمان تلك تتعرض للتهديد من ترامب الذي لم يكن لبلده نفسها وجود حين كان العمانيون يشيدون أساطيل بحرية تحكم سواحل الخليج..
تاريخ عمان البحري هو إدانة لعرب النفط الذين احتكموا على مليون ضعف القوة العمانية وعجزوا حتى عن تشييد بارجة..تاريخها نقطة وحيدة مضيئة في خليج الخنوع وهو يخبرنا ألا بديل أمامنا سوى تسليم كامل المقدرات للأميركيين..ويخطيء الحقود البرتقالي لو ظن أن أصحاب الحضارات سيتصرفون كعربان النفط، أن أصحاب الماضي الوفير سيصبحون كدول لم تعرف من مظاهر الحضارة سوى الأبراج ومهرجانات الترفيه..وإن كان يجهل من هي سلطنة عمان، فليفتح سطرا من كتاب التاريخ، ربما يعرف أن العمانيون دفنوا إمبراطورية من قبله..بالضبط كما يسعى الإيرانيون لوضع أول حجر في شاهد قبر إمبراطوريته..وإن كان يبحث عن من يقبل يديه، فليتوجه صوب أبو ظبي والرياض..وليس لمسقط !
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
