Screenshot

عداوة كاذبة وسلام كاذب

د. محمد السعيد إدريس
 

فى ذروة أزمة التفاوض الأمريكية مع إيران فاجأ الرئيس الأمريكى دونالد ترامب العالم بصدمتين متلاحقتين تكشفان عمق الهزيان الذى يعيشه الرئيس الأمريكى وهو يرى ويتابع بأم عينيه فشله وعجزه فى تحقيق أى من أهداف عدوانه مع إسرائيل على إيران . ترامب سواء بوعى أو بدون وعى، تجرأ على توجيه تهديدين لحلفائه أو لشركائه المقربين من دول الخليج العربية، بدلًا من الانشغال بخلق طمأنة لهذه الدول، وهو يفاوض إيران بمعزل عن أى مشاركة من هذه الدول الخليجية التى عجز عن حمايتها بقواعده الـ 13 المنتشرة على أرض هذه الدول، من «العدو» الإيرانى المزعوم.

 

ترامب لم يكتف بتهديد واحد بل بتهديدين متلاحقين، الأول جاء شاملًا كل الدول الخليجية مع دول عربية وإقليمية أخرى عبر بيان صادر عنه (الجمعة 22 مايو الفائت) ربط فيه بين توقيع اتفاق إنهاء الحرب مع إيران، باتفاق آخر، أو بشرط أساسى هو أن تقوم هذه الدول بالتوقيع على ما يسميه «اتفاقات إبراهام»، التى تتضمن «السلام العميق والتطبيع الشامل» مع كيان الاحتلال الإسرائيلى. ترامب تجاوز اعتبار التوقيع من جانب تلك الدول الخليجية والعربية الأخرى ليس مجرد شرط لتوقيع الاتفاق الأول، أى اتفاق وقف الحرب مع إيران، بل اعتبرهما «كيانا واحدا» أو «وثيقة واحدة» وقال فى بيان لقادة تلك الدول: «لن يكون هناك سوى اتفاق عظيم للجميع، أو (لا اتفاق على الإطلاق) والعودة الى ساحة المعركة وإطلاق النار بصورة أكبر وأقوي». وقال: «بعد كل العمل الذى قامت به الولايات المتحدة (الحرب على إيران) ينبغى أن يكون من الإلزامى أن توقع جميع هذه الدول على اتفاقات ابراهام.. وإذا لم يفعلوا ينبغى ألا يكونوا جزءًا من هذا الاتفاق، لأن ذلك يدل على سوء نية». وقال: «أطلب إلزاميًا من جميع الدول التوقيع على اتفاقات ابراهام»..!!. التهديد الثانى خص به سلطنة عُمان، حيث هدد الرئيس الأمريكى بعد أيام من التهديد الأول (الأربعاء 27 مايو الفائت) بمهاجمة السلطنة إذا وقفت الى جانب إيران فى قضية إعادة فتح مضيق هرمز، وقال: «إن على عمان أن تحسن التصرف، وإلا فإنه سينسفهم»، وذلك ردًا على سؤال حول ما إذا كان سيقبل باتفاق قصير الأمد يسمح لإيران والدول الخليجية بالتحكم بمضيق هرمز. وقال لصحفيين عقب اجتماع لإدارته: «كلا، المضيق سيكون مفتوحًا للجميع»، وتابع: «إنها مياه دولية، وسلطنة عُمان ستحسن التصرف مثل الجميع، وإلا فسيتعين علينا أن ننسفهم.. يفهمون ذلك وسيكونون على ما يرام». وفى ذات اليوم هدد وزير الخزانة الأمريكى سكوت بيسنت بفرض عقوبات على سلطنة عُمان (الدولة الحليفة أو الصديقة للولايات المتحدة) اذا تعاونت مع ايران فى إدارة مضيق هرمز. من المعروف أن سلطنة عُمان هى الدولة العربية الخليجية الوحيدة التى تتشارك مع ايران فى مشاطأة مضيق هرمز من ضفته الغربية عبر منطقة («رأس مسندم» التى تطل على المضيق من جنوبه الغربي). وزاد الوزير الأمريكى عبر منصة «إكس» إن حكومة الولايات المتحدة «لن تتسامح مع أى محاولة لإنشاء نظام رسوم عبور فى مضيق هرمز». وكان نائب سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومى الإيرانى على باقرى كنى قد صرح بأن طهران ومسقط تجريان مفاوضات مشتركة لتحديد نظام جديد لعبور السفن عبر مضيق هرمز.

وجاءت هذه المفاوضات فى إطار مساع إقليمية لإعادة تعريف الترتيبات الأمنية والإقليمية للمضيق، وفى وقت تسعى فيه سلطنة عُمان إلى لعب دور الوسيط المحورى فى صياغة ترتيبات بحرية جديدة، مع التأكيد أن «مضيق هرمز يجب أن يدار من قِبل دول المنطقة لا عبر تحالفات عسكرية خارجية».

هذه الرغبة العُمانية تنم عن تنامى إدراك بضرورة الاستفادة من محصلة الحرب الحالية والنأى بالخليج عن «خطر هيمنة التحالفات العسكرية»،، ومن هنا جاء الجنون الأمريكى على سلطنة عُمان والتهديد بنسفها.

هذا الجنون الأمريكى المزدوج سواء بتهديد دول الخليج ودول أخرى عربية واقليمية بـ «إلزامية التوقيع على اتفاقات إبراهام»، بما تعنيه من توقيع على الخضوع للهيمنة الإقليمية الإسرائيلية والتجاهل الكامل لضياع فلسطين، وتطاول إسرائيل على لبنان وسوريا، واعتبار تركيا ومصر «خطرًا آجلًا إن لم يكن عاجلًا» أو تهديد سلطنة عُمان لإجبارها بالنأى بنفسها عن إيران والتسليم مجددًا بالهيمنة الأمريكية على الخليج ومضيق هرمز يؤكد أن الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران كانت لتحقيق هذين الهدفين: فرض الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية المطلقة على الشرق الأوسط، واستمرار فرض الهيمنة الأمريكية على الخليج، بدليل أن ترامب يحلم فى دعوته الدول المعنية بالتوقيع على اتفاقات إبراهام، أن تكون إيران هى الأخرى شريكًا فى التوقيع مستقبلًا على هذه الاتفاقات فى تطور لافت وشديد الدلالة يعيدنا إلى أجواء حرب أمريكا لتحرير الكويت عام 1991، وما فرضته على دول الخليج من شرطين: القبول بالسيطرة العسكرية الأمريكية على الأمن الخليجى، والمشاركة فى مفاوضات «مدريد للسلام» للانخراط فى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، فى تأكيد يقول إن إسرائيل كانت وستبقى الهدف الأمريكى، ويؤكد أكذوبة السلام، وأكذوبة فرض العداوة الإيرانية لدول الخليج لتبقى أمريكا هى الصديق والحليف الوحيد بالرضا أو بالقبول والإذعان لدول المنطقة. فالعداوة لإيران جاءت وفق ضغوط أمريكية صريحة ابتداء من عام 2008 على لسان الرئيس الأمريكى الأسبق جورج دبليو بوش (الابن)، الذى دعا دول الخليج فى زيارته الوداعية، ومن الكويت إلى التعامل مع إيران كعدو، والتوجه نحو صداقة حقيقية مع إسرائيل، وقبله كانت وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس قد دعت فى أوج الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على لبنان صيف 2006 إلى «شرق أوسط جديد» أبرز معالمه تحويل الصراع الاستراتيجى فى المنطقة من صراع عربى – إسرائيلى إلى صراع عربى – إيرانى، والتعامل مع إيران كعدو والانخراط فى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وهذا ما يكرره الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.

عداوة كاذبة مقرونة أيضًا بسلام كاذب، وهذا هو جوهر المشروع الأمريكى الراهن للشرق الأوسط، الذى يريد أن يفرضه الرئيس ترامب ثمنًا لحربه على إيران.

 

شاهد أيضاً

حول التطبيع او التتبيع الثقافي

بقلم الاستاذة ريجينيا صنيفر التطبيع السياسي – إن حصل – سيكون مسمارا يدق في نعش ثقافتنا …