عتبةُ الذات

 




د. لورانس نعمة الله عجاقة

سيأتي يومٌ تكتشف فيه أن أكثر ما عطّل خطاك لم يكن العجز، بل الانتظار.
انتظارُ شخصٍ يرافقك، أو يدٍ تمتدّ إليك، أو صوتٍ يطمئنك بأن الطريق آمن. فتقف عند عتبة أحلامك طويلًا، كمسافرٍ يحمل حقيبته منذ سنوات، لكنه لا يصعد القطار لأن المقعد المجاور ما زال فارغًا.
نحن أحيانًا نربط حياتنا بخيوط الآخرين، فنصبح كقاربٍ قويّ البنية، متين الأشرعة، لكنه يرفض الإبحار لأن سفينةً أخرى لم تبحر معه. ومع مرور الوقت لا يكتشف أنه أضاع الرحلة فحسب، بل أضاع البحر أيضًا.
سيأتي يومٌ ترغب فيه أن تفعل شيئًا لطالما حلمت به: أن تسافر، أن تتعلّم، أن تكتب، أن تبدأ مشروعًا، أو حتى أن تمشي في طريقٍ جديد. ستلتفت حولك باحثًا عمّن يشاركك التجربة، فإذا لم تجد أحدًا تراجعت. وهنا لا يكون غياب الآخرين هو المشكلة، بل تحوّل غيابهم إلى قيدٍ يقيّد إرادتك.
الاعتماد المفرط على وجود الآخرين يشبه شجرةً لا تؤمن بجذورها، فتظلّ تتشبث بالأغصان المحيطة بها خوفًا من الريح. بينما القوة الحقيقية تكمن في أن تعرف أن جذورك قادرة على حملك مهما اشتدّت العاصفة.
التحرّر يبدأ حين تدرك أن بعض الطرق خُلقت لتُعبرها وحدك. ليس لأنك منفيّ عن الناس، بل لأن في الوحدة أحيانًا مساحةً لاكتشاف نفسك. فكما يحتاج الطائر إلى فضاءٍ مفتوح ليختبر جناحيه، يحتاج الإنسان إلى لحظاتٍ يمشي فيها بلا ظلالٍ تسبقه ولا أصواتٍ ترشده، ليعرف من يكون حقًا.
أن تذهب وحدك إلى مكانٍ تحبّه ليس نقصًا، بل مصالحة مع ذاتك. وأن تجلس إلى طاولةٍ بمفردك ليس عزلةً، بل حوارٌ هادئ بينك وبين روحك. وأن تخوض تجربةً جديدة دون انتظار موافقة أحد، هو إعلانٌ صامت بأن حياتك أصبحت ملكك أنت.
فالناس نعمة، والرفقة الجميلة دفءٌ لا يُنكر، لكن تحويلهم إلى شرطٍ للسعادة يشبه تحويل الشمس إلى أسير نافذةٍ واحدة؛ فإذا أُغلقت النافذة ظننت أن النهار انتهى، بينما الضوء ما زال يملأ الأفق.
لا تؤجّل فرحك إلى أن يأتي أحد، ولا تؤخّر أحلامك حتى تجد من يصفّق لها. ازرع بذرتك اليوم، وسِر في طريقك اليوم، وافتح أبواب الحياة اليوم. فإن جاء من يشاركك الرحلة كان ذلك جمالًا إضافيًا، وإن لم يأتِ فستظلّ الرحلة جديرة بأن تُعاش.
فأجمل درجات النضج أن تصل إلى لحظةٍ تدرك فيها أنك لست نصفَ إنسانٍ يبحث عن نصفٍ آخر ليكتمل، بل إنسانٌ كاملٌ يعرف قيمة المشاركة دون أن يجعلها شرطًا للوجود. عندها فقط تمضي بخفة النهر، ووثوق الجبل، وهدوء القمر، عالمًا أنك كافٍ لنفسك، وأن قلبك قادرٌ على أن يكون رفيقك الأول في كل الطرق.

شاهد أيضاً

لله در الشعب العماني العظيم

  خميس القطيطي ملاحم عظيمة قدَّمها الشَّعب العُماني العظيم في الأحداث التاريخيَّة التي مرَّت على …