
الشاعر الدكتور باسم عباس 
بقلم:علي نسر
منذ السطور الأولى، نشعر بلفحة تمرّد وغضب وبحث عن حقائق الحقائق تهبّ من تلافيف ديوان الشاعر (باسم عباس) الأخير (عندما يعطش الماء)..فكأنّ شاعرًا يحشد الأضداد، مقيمًا عملية جدلية نقدية بين أطرافها، منتصرًا للصعب، متخلّيًا عن المألوف وما هو قناعات ثابتة لا تحوّل فيها…فيقتحم حصون المحظور، رافضًا الحقائق التي أُسقطت فوق الأذهان والألباب واستحالت سدًّا منيعًا بين المرء ومرايا الوجود..فمنذ البداية أعلن(عباس) رؤيةً طالما راودت الشعراء الذين اتُّهموا بخروجهم على الأصول في غير عصر، ليستحيل اليقينُ في قاموسه مقتلًا للبحث، والشكُّ ووميضُ الفكر طريقًا للوصول إلى ما وراء الحقائق،(قلعة الشكّ/ وانهيار اليقينِ/ ضوء فكرٍ/ من الضياع/ يقيني/ أدمن العقلُ/ عشق شكّي…ص6-7) ثمّ يكرّر الفكرة نفسَها في صفحات لاحقة، فيرى أنّ كيانه حرّ لأنه يلبس عمامة الشكّ ويرفض أن يحول اليقين بين قامته ومفاتيح الحقيقة.(لي قامةٌ/ مسكونة بالشكّ/ تأبى/ أن يكبّلها يقيني..ص67) فالحقيقة كالسعادة كلّما تفلّتت من سلاسلنا ازدادت تألقًا وازداد الساعي اليها عشقًا لها لأن الحصول عليها كجسم مادّي يزرع في النفوس الفتور والملل، فالاكتفاء بوجه واحد للحقيقة لا يفي بالمطلوب، لأنّ هناك وجوهًا أخرى محورية وجوهرية تحتاج الى تجاوز القناع الذي نتلهّى به ونقتنع بأحاديته..(ما أجمل الحقيقة/ التي تكون كالخيال.ص98) . وعلى مذبح الحقيقة التي سار عليها الباحثون من شعراء وفلاسفة وثائرين فكان عقابهم الموت، ليبزغ فجر تطلعاتهم التي لم يعرفها الذين لا يعرفون ما يفعلون، يتغلّب الشاعر على الموت ويتّخذه تميمة تحمي ما يرمي اليه من استنهاض النائمين المعتادين على الأمور والقشور من دون سبر أغوار اللبّ والجوهر، مستحضرًا ما قاله الشاعر على لسان (الحسين) حين تدجج بالشهادة طالبًا من السيوف ان تأخذه إذا كان في قتله استقامة لدين جدّه.(وإذا الموت منعشٌ/ لحروفٍ مشرقاتٍ/ فيا قبور خذيني..ص8).
وإذا كان الشكّ الطريق الأكثر جمالا عند الشاعر، فإنّ الشعر والشكّ يلتقيان في خيط واحد، وكما خلق الله الانسان من جماد فجعله مسكونًا بالشكّ، فكذلك يفعل الشاعر متشبّهًا بالخالق فتكون قصيدته هي الخلق الذي يدلّ عليه، وكما نفخ الله في مخلوقه الانساني شيئًا من روحه ليستوي بشرًا سويًّا، كذلك يفعل الشاعر حين ينفخ في محبرته وأوراقه، فيستوي مخلوقه قلقًا مرتابًا.(نقطة حبرٍ/ سقطت فوق الورقة/ سكب الشاعر فيها/ بعضًا من روحٍ/ صارت بقعة ضوء قلقةْ.ص9). ولأن الجدل بين الأطراف طريق لا بدّ منه، فالشاعر لم يسِر في علاقة الخلق السببية بطريقة طولية بل بطريقة تصاعدية تفاعلية، إذ لم يجعل طرفًا خالقًا اساسيًّا فاعلًا وآخر مخلوقًا ثانويًّا انفعاليًّا سلبيًّا، بل جعل المنفعل فاعلًا أحيانًا وكأنّ النتيجة قد تصبح سببًا لما سبّبها حين ترفّع بالمخلوق وسما أيضًا.(سبحان العاشق والمعشوقْ/ سبحان الخالق والمخلوقْ/سبحان الحبر/ومن خلقَه..ص10). فهذا التوحّد بين المتناقضات أو الانصهار بين الأضداد هو العامل الأساس لوصول الرامي الى مرماه حين تصبح لطرفي العلاقة القيمة نفسها.(وكيف للورد/أن يعدو إلى رئة/ إن لم يكن مشبعًا باللون والعبقِ؟ ص21).
وإذا كان الشعر عند شعراء سابقين ينبع من الجرح، فإنّ الجرح عند(عباس) تجاوز حدود هذا النبع، ليكون انفجار رؤى (جرحي رؤى/ورؤى جرحي مكاشفةٌ…ص37).
وفي تسلّحه بالشعر وسيلة لاطلاق رؤاه، يستغلّ الشاعر قدرته على خلق الصور الكاشفة عن مضامين شعرية بعيدة من المنال، ليوجّه نقدًا إلى السياسيين، مازجًا بين عتمتهم وعتمة الأيّام، لاجئًا الى الموت خلاصًا لا بدّ منه ليكون مخاضًا لولادة فجر جميل.(لا موت إلا وكان/ الفجر مبتسمًا/ والقبر ليس سوى ركنٍ/نلوذ به/ من عتمة العمرِ/ أو من عتمة الزّعما..ص36).
كما يتّخذ الشاعرُ من شعره مناسبة لتخليد ذكر بعض الشعراء الراحلين مسلّطًا الضوء على ما تركوه من بصماتٍ واضحةٍ فوق أديم الصفحات والعمر.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net

