رحلة في بلد الإشعاع

رواية على حلقات للأديب أحمد فقيه

الحلقة -13- كل الأدلة ضده

يذهب رائد قاصداً المرابي سبيطين، وفي نيته أن يقنعه بمنحهم مهلة إضافية لعلهم يستطيعون تدبير الأمر،

إلا أنه لا يكاد يصل الى المكان المقصود حتى يرى سبيطين يمسك بتلابيب شخص آخر داخل قصره، وبسرعة خاطفة تنتهي المعركة بقتل سبيطين وفرار القاتل. فيتًهم رائد بالقتل مع سبق الإصرار، ويحكم عليه بالإعدام، بحجة أن جميع الادلة ضده. يسمع والد رائد بالخبر فيصاب بالانهيار وفقدان النطق والذاكرة. يتولى بعض المحامين الشرفاء الدفاع عن رائد لايمانهم ببراءته، وان هناك من يريد أن يبعد الشبهات عن القاتل الحقيقي. وبعد جولات عديدة، وبمؤازرة أهالي بلدة إسماعيل، والرأي العام والصحافة، يبرّأ رائد، ويقيض على القاتل الحقيقي.

   أوقف رائد على ذمة التحقيق انتظاراً ليوم المحاكمة الذي حدد بعد اسبوع.

وفي اليوم الموعود وقف رائد في قفص الاتهام، وهو لا يزال مذهولاً بما جرى، يكاد لا يصدق ان ما حدث حقيقة، ومقتنع تمام الاقتناع بانه لا يمكن للمحكمة ان تدينه مهما جرى..

انه بريء..ويجب ان تدرك المحكمة هذا.. وإلا لماذا هي محكمة، وتقاضي بالعدل والقسطاس..

وشرح للمحكمة ما حدث تماما وبكل امانة.. الا ان دفاعه ذهب سدى، اذ ان جميع الادلة كانت ضده.. حتى والده الذي اخرسته الحادثة كان قد ترك أدلة تشهد ضده قبل ان يفقد رشده…

   واستدعي بعض الشهود ومنهم”سليم” الذي نقل الخبر لوالده..وبعد ان اقسم اليمين، أخبر المحكمة بما سمع وشاهد تماماً دون تحريف. وذلك أن إسماعيل، والد رائد، عندما سمع منه نبأ قتل المدعو “سبيطين” تغيرت حالته تغيراً شديداً، وقبل ان يغيب عن الوعي قال: ” لقد فعلها رائد ! “..

  وسأل القاضي الشاهد ان كان معهما احد في تلك الأثناء ، فقال:

– كانت الزوجة موجودة، وتساعدنا سوياً لنقل الزوج الى سريره ولا أدري ان كان أحد الاولاد هناك اثناءها أم لا..

  واستدعيت الزوجة لاستكمال التحقيق، فسألها القاضي بعد ان ادت القسم:

-هل كنت موجودة عندما نقل المدعو”سليم” خبر قتل المجني عليه”سبيطين” الى زوجك؟..

-نعم يا حضرة القاضي.

-هل قال زوجك: “لقد فعلها رائد” ؟..

    فأومأت المرأة برأسها، وقالت بصوت مخنوق والدموع تنهمر على خديها:

-نعم..

    ولكنها عادت فمسحت دموعها، وتجرعت كل ما بها من آلام، وقالت:

-لكن يا حضرة القاضي، انا متأكدة من ابني!.. انه لا يمكن ان يقتل حتى نملة..

انه اذا داس على نملة فلا يؤذيها !.. انا أمه واعرفه اكثر من كل الناس.. لا بد ان في الأمر سر !..

-قد يكون هناك سر.. مافي شيء بعيد.. لكن ما أحد يكشف هذا السر الا زوجك..

ما هو اسم زوجك الكامل؟

-اسماعيل ظاهر الرشيدي..

   فأخذ القاضي يردد في ذاته “اسماعيل..اسما..عيل..ظاهر..ظاهر..الرشيدي.. هذا الاسم ليس غريب عني.. لا بد أنني قابلت هذا الرجل..أين؟!.. لا ادري..أين..

   ثم وجه كلامه لوالدة المتهم:

-الا يستطيع زوجك المجيء الى المحكمة ؟

-انه مريض، وبحالة خطيرة جداً، وقد فقد النطق أثر الحادث، فهو لا يستطيع الكلام، وما زال في حالة غيبوبة شبه تامة.. واكدت كلامها بان قدمت التقرير الطبي الذي يؤكد كلامها.

  فتابع القاضي اسئلته:

-الم تعلمي اين ذهب ولدك رائد ليلة الحادث؟

-قال لي زوجي انه ذهب في مهمة بسيطة، وسيعود بسرعة..وعندما تأخر الححت عليه بالسؤال، فقال بانه قد يبيت عند احد اصدقائه في صيدا.

-هل تعتقدين ان زوجك يعرف شخصاً آخر اسمه “رائد” غير ولدكما؟

-لا ادري..

حكم الاعدام

  كانت هذه نهاية المطاف بالنسبة للمحكمة والقضاة وما ظهر من ملابسات الجريمة.. فبعد اخذ اقوال بعض شهود العيان الذين تواجدوا في مكان الجريمة اثناء حدوثها، وبعد دراسة جميع الظروف ومقارنتها بالأدلة وبأقوال الشهود، لم يكن امام المحكمة سوى نتيجة واحدة وهي: ان “القاتل هو رائد اسماعيل ظاهر الرشيدي”، بل انه “قاتل مع سبق الاصرار والترصد”.. اما دوافع القتل فقد ترجمت على  انها محاولة للتخلص مما على الوالد من ديون مستحقة.

   ولم يكن لدى رائد ما يقوله سوى الحقيقة: “بريء!.. بريء!..”

ولكن الحقيقة (في نفس رائد) لم تمنع المحكمة من اصدار حكم الاعدام بحق المدعو “رائد اسماعيل ظاهر الرشيدي”.

  الا ان القاضي وهو يحاول التوقيع على حكم الاعدام، شعر بان يده ترتجف بدرجة ملحوظة لم يسبق لها مثيل وهو يقرأ اسم رائد “اسماعيل ظاهر الرشيدي”.

   ويعود الى تفكيره: “هذا الاسم ليس غريب علي..لكن من هو ؟.. اين شاهدته؟!.. اين..؟ اين..؟ اين..؟ قد.. يمكن يكون هو مجرماً كذلك.. وأتى هنا للمحاكمة؟.. لازم ابحث عن هذا الاسم، واعرف من هو!.. لازم!.. لكن هذا ليس مجرم !.. لا بد انني اعرفه من مكان آخر !..

   وعندها  يلقي القلم جانباً، محاولا ارجاء توقيع الحكم ريثما يتوفر له مزيد من الاستطلاعات بهذا الخصوص…

   ولكن هناك تعليمات جاءت من جهات معينة تريد الاسراع في هذا “الحكم”والانتهاء منه.. فحاول القاضي مرة اخرى التوقيع عليه ولكنه احس بنفس الشعور السابق يتسلل اليه بصورة اقوى واعمق…

* * * *

       علم القاضي ان امه في باريس بحالة خطرة وانها تريد مشاهدته بعد تلك السنين الطويلة، فانتهز الفرصة وسافر اليها حيث بقي الى جانبها مدة تزيد على ثلاثة اشهر ساهرا على راحتها وتقديم العلاج لها سواء في المستشفى او في البيت الى ان وافتها المنية، فحضر مراسم الدفن بين اجداده واخواله هناك، وبعد ان انتهت مدة استقبال المعزين ودع اهل امه وعاد الى وطنه…

     واثناء غيابه تناوب قضاة عديدون لسد الفراغ الذي تركه، ولانجاز بعض الاعمال المستعجلة التي لا تحتمل التأخير..

      وهكذا تم في خلال هذه المدة التوقيع على حكم الإعدام على المدعو “رائد اسماعيل ظاهر الرشيدي”.

* * * *

     ومن حسن حظ رائد انه كان لا يزال هناك جدال حول تنفيذ حكم الاعدام..    اذ انه حدث قبل ذلك التاريخ بعدة سنوات ان قدمت للمحاكمة زمرة من المجرمين وكانت افعال كل منهم تستوجب الاعدام. الا ان بعض المتنفذين انذاك ارادوا ان يخففوا بعض الشيء عن هؤلاء المجرمين المساكين.. ولما لم يجدوا في جميع قوانين الاحكام باباً واحداً او منفذاً صغيراً ينفذون منه، لجأوا الى نغمة جديدة وهي:

” انه لا يجوز ان ينفذ حكم الاعدام في بلد الإشعاع…، بلد الثقافة والمعرفة، …”

وجمّد تنفيذ حكم الاعدام بضع عشرة سنة..

    وعندما حكم رائد بالاعدام لم يرق لبعض المتنفذين ان يفلت مجرم مثله من قصاصه العادل، لذلك لا بد من اعادة الحياة الى ذلك “الحكم” الذي حكم عليه بالاعدام لفترة من الزمن.. اما الآن لم يعد من اللائق السكوت على مثل هذه الاعمال، لذلك يجب العودة الى العمل بحكم الاعدام لكي يستتب الامن، ويستقيم الامر.

    وقامت فئة اخرى تتساءل: “ما معنى ان نعمل اليوم بهذا القانون، ونلغيه غداً ؟! هل العملية لعبة اولاد صغار ؟!.. ماذا تقول عنا الناس ؟!!..”

     وطال الجدال واستفحل الامر..الا ان المحكمة كانت على عجلة من امرها وتريد تنفيذ هذا الحكم والخلاص منه.. وحتى الصحف والمجلات قد اخذت تستعجل الامر وبدأت العناوين كل يوم تبرز بثوب جديد:

-تم الاتفاق على العودة الى العمل بحكم الاعدام..

-الاسبوع القادم سيتم تنفيذ حكم الاعدام بالمجرم “رائد اسماعيل ظاهر الرشيدي”..

-الحكم ملح الارض_لا امن بدون “اعدام”!

-اللص الكبير والمجرم القاتل “رائد اسماعيل الرشيدي” سينال قصاصه العادل!..

-قاتل “سبيطين” ، مساعد الفقراء والمستضعفين، سيكون عبرة لكل المجرمين !..

-ثورة في عالم القانون ومكافحة الاجرام !.. الاعدام.. الاعدام.. الاعدام !..

     الا ان الفئة المعارضة لهذا الاسلوب، وقفت كالسد المنيع.. وقامت المظاهرات من اقصى البلاد الى اقصاها، واقيمت الندوات بهذا الخصوص، واستقر الرأى على المطالبة باحد امرين لا ثالث لهما: ” اما الغاء (حكم الاعدام) الى الابد، ويبقى لبنان بلد الاشعاع والنور، واما ان تعاد محاكمة كل الذين مروا على هذا الحكم وهو نائم..

 وحصل بعد هذه الإنتفاضة ما يشبه الذهول لذوي القصور الشامخة ولبعض المتنفذين. لم يدر في خلدهم قط بانه قد يأتي يوم، وتقف مثل هذه الجماهير في وجوههم لتسألهم عما يفعلون، او لتعترض على ما يفعلون….

    وبقوا في ذهولهم فترة… وتوقفت الجرائد والمجلات عن ترديد نغماتها المعهودة.. لفترة كذلك…

    وكانت هذه الفترة، بالطبع، لصالح رائد.

المحامي مسعود عبد الجليل

ومسعود عبد الجليل، كمحام، يهمه هذا الامر، ويهمه ان يدلي بدلوه في هذا الموضوع. الا انه دهش جدا عندما قرأ على صفحات الجرائد اسم “رائداسماعيل الرشيدي” والتهم المنسوبة اليه.. كما انه استغرب كون والديه لم يخبراه او يشاوراه بالموضوع.. وكانت الزيارات بين الطرفين قد تضاءلت كثيرا في السنوات الخمس الاخيرة، على أثر وفاة والدته، التي كانت تربطها بعفراء وأهلها رابطة صداقة ومحبة، والفة خالية من اي تكلف.. ولكن بعد وفاتها أصبحت الزيارة تقتصر على المناسبات الهامة جدا…

    وعندما ابتليت عفراء بنكبتها الجديدة، فكرت بالاستعانة  بالمحامي مسعود، الا ان عدم وقوفها على حقيقة الامر، وخجلها من التهم التي أسندت الى ابنها، جعلتها ترفض مثل هذه الفكرة.. وقد أشار عليها كل من والدها ووالدتها باستشارة المحامي الا أنها اصرت على الرفض، ورجتهما بعدم ابلاغه.. فقد كان اهون عليها ان يعدم ابنها على ان تتناقل السنة الناس في حارتها القديمة، وبين أترابها وأصدقاء طفولتها، بان ابنها “لص_قاتل!”..

   لم ينتظر المحامي مسعود حتى تأتي عفراء او زوجها او والدها ليخبروه، او ليطلبوا مساعدته في هذه المحنة، وانما سارع هو لزيارتهم جميعاً والاطلاع منهم على تفاصيل الحادث، او ما يعرفونه عن هذا الامر. وقد هاله ما شاهد من أمر هذه العائلة المنكوبة..

     وقف فترة بجانب سرير اسماعيل وقد تأثر جداً لما أصابه، لدرجة ان دمعت عيناه ألما وحزناً.. حاول ان يسأله او يفهم منه اي شيء، ولكنه لم يستطع.. فما زال اسماعيل في غيبوبته من اثر الصدمة..

     وخرج المحامي من هذا البيت وقد عزم في نفسه على ان يتابع القضية، بعد الاستئناف ان وفق حتى النهاية. انه مقتنع بان شاباً مثل رائد لا يقدم على مثل هذا العمل، وان كان فعلاً قد قتل، لا بد انه أجبر على هذا او دفع اليه دفعاً… يجب ان يطلع على حقيقة الأمر.

عمل على مقابلة رائد الذي كانت زيارته محظورة قبل المحاكمة، ومنه علم كل التفاصيل التي يريدها. وسأله ان كان قد أدلى بهذه المعلومات أثناء محاكمته فأجاب:

“نعم.. ولكنني لم أر أذناً صاغية! فكثيرا ما كنت أقاطع أثناء دفاعي، ويهزأ من كلامي ومني بطريقة مزرية.. وعندما كنت أتكلم كان يحصل تشويش ولغط في صف القضاء لدرجة أنني لم اعد اسمع نفسي ما أقول.. فلا ادري ان كانوا قد سمعوا كلامي ام لا.. ولا أظنهم قد سمعوا.. لم أجد لديهم نية للسماع..كانت محاكمتي صورية..لا أكثر..”

   حاول المحامي مسعود الاطلاع على ملف الدعوة، الا انه قوبل برفض شديد متعنّت: “القضية بتَّ فيها وانتهت ولا داعي لنبشها من جديد !”.. حاول العمل على استئناف البحث في القضية، اذ هناك التباس في الأمر.. فوضعت عقبات كثيرة في طريقه.. وأخيراً طلب منه ان يقدم دليلا ملموسا يستوجب هذا الاستئناف..

* * * *

تقصي الحقائق

   بدأ المحامي عملية تقصي الحقائق بالذهاب الى مكان الجريمة، ومشاهدة المكان وما حوله، والاتصال بالجيران المحيطين بالمكان للاطلاع منهم على ما يعرفونه عن الحادث. وكانت بوابة السور الخارجي للقصر، وبوابة المدخل الرئيسي مقفلتان ومختومتان بالشمع الاحمر منذ وقوع الحادث. وبعد جدال طويل وافقت المحكمة على فتح القصر للمحامي على ان يرافقه شرطيان.

    فأول شيء عمله المحامي هو ان دخل الى القصر ليشاهد الدرج الذي وقعت في أعلاه الجريمة، وليطابق كلام رائد على وقائع الاحداث ويتأكد من صحة قول رائد.. وبالفعل شاهد على السلم الدم الذي لطخ معظم درجاته من أعلاه الى أسفله حيث تجمعت برك صغيرة من الدماء اسودّ لونها، وغطتها طبقة من الغبار. فسجل هذا في مفكرته وطلب من الشرطيين ان يوقعا على ما شاهدا..

   ثم خرج بعد ذلك الى الحديقة الواسعة، او الغابة الصنوبرية التي تحيط بالقصر وأخذ يتجول فيها بصحبة الشرطيين لعله يقع على أثر ذلك الجاني الذي فر هارباً، حسب أقوال رائد. وعند دخوله القصر من بوابة السور الرئيسية شاهد آثار اقدام عديدة تخترقها آثار عجلات فطمس بعضها.. فعلم ان هذه آثار اقدام الناس الذين تجمهروا عند السماع بالجريمة، وتلك آثار سيارة الشرطة.. وقد استمرت هذه الاقدام حتى مدخل القصر الرئيسي وهناك تداخلت ببعضها وتجمعت حول المبنى ولم تبرحه بعيداً. الا ان المحامي فطن الى ان المجرم اثناء هروبه قد لا يخرج من بوابة القصر الرئيسية خوفاً من الاصطدام بالناس.. لذلك لا بد انه سلك طريقاً آخر، او انه اختبأ بين الاشجار ريثما يهدأ الوضع ثم يهرب. لذلك أخذ يحوم حول المبنى ويتتبع كل أثر يجده ليرى الى اين يمكن ان يصل به.. واخيراً اهتدى الى اثر خفيف يكاد لا يلحظ في بدايته، الا انه بعد ان ابتعد عن المبنى وتغلغل داخل الارض الطينية بدات آثار الاقدام تظهر واضحة وعميقة في التربة الى ان وصل الى مصطبة كانت قد خصصت لبعض الزهور وفي وسطها صنبور ماء مفتوح باستمرار، مما جعل أرض هذه المصطبة رخوة موحلة.. وهنا شاهد ان الاقدام قد غاصت في هذه الاماكن الى درجة واضحة تماماً، وقد لاحظ ان تلك الاقدام قد داست على الكثير من الزهور والنباتات المتبقية في تلك الحديقة، مما يدل على ان صاحب هذه الاقدام كان على عجلة من امره.. وهنا طلب المحامي من الشرطيين ان يلاحظا وضع هذه الاقدام، وان يسيرا الى جانبه بعيدا عن تلك الاقدام كي لا يفسداها.. وعلى بعد عدة أمتار نحو الشرق كان هناك حائط مبني بشكل هندسي جميل، يحجز خلفه مصطبة أخرى تتناثر فوقها الاشجار والشجيرات وبعض النباتات والزهزر المهملة.. اذ ان الارض في تلك المنطقة تنحدر قليلاً نحو الغرب. لذلك، تبنى تلك الحواجز لجعل الارض منبسطة في كل مصطبة، ولإعطاء خلفية جميلة للقصر وما يحيط به.

وعندما وصل المحامي الى ذلك الحائط شاهد عليه آثار طين (وحل) جاف، كما شاهد آثار دم فوق الوحل. ولاحظ بان هناك حجراً قد سقط من مكانه من أعلى الحائط، وما زال مكانه فارغاً. وتفحص في الحجر فشاهد عليه آثار دم كتلك التي ما زالت على الحائط. فعلم بان الذي أمسك بهذا الحجر واسقطه كانت يداه ملطخة بالدماء، فتركت آثارها على الحجر واجزاء أخرى من الحائط. اما آثار الوحل فلا بد انها مما حملت نعاله من تلك الارض الرطبة.

    وبعد وقفة قصيرة وتدوين ما لاحظ، التفت يمنة ويسرة، فشاهد على بعد حوالي خمسة عشر مترا درجاً في قلب هذا الحائط يؤدي من المصطبة السفلى التي هم عليها الآن الى التي تليها. اتجهوا جميعاً نحو الدرج وصعدوا الى المصطبة العليا، ثم ارتدّوا الى مكان سقوط الحجر ليتابعوا الأثر.. وقادهم الأثر بوضوح الى السور الرئيسي. الا ان المحامي شاهد شيئاً غريباً وسط مجموعة من لاشجار والشجيرات الكثيفة قبل السور بحوالي ثلاثة أمتار. حدق المحامي لحظة.. ثم تناول منديله من جيبه، ونشره على كفه، والشرطيان يراقبانه، ثم دخل بين الشجيرات والتقط ذلك الشيء الاسود دون ان تمسه أصابعه، اذ جعل منديله بين كفه وبين ذلك الجسم الغريب. وعندما عاد الى مرافقيه فتح كفه فاذا به فردة سوداء من قفاز أسود اللون عليها آثار من الدم الذي دكن لونه بعد ان جف.

    وهنا فكر المحامي: “… لا بد ان هذا الهارب شعر بان قفازه يضايقه عند تسلق الجدران فلذلك اراد التخلص منه.. او انه اراد اخفاء آثار الجريمة عن نفسه قبل الخروج الى الشارع الذي يقع خلف السور.. اذن، لا بد ان الفردة الثانية موجودة في هذه المنطقة”. وبحث هنا وهناك.. ثم عاد الى الوراء قليلاً فلم يجد شيئاً. وأخيراً، ترك امر البحث عنها لعدم أهميتها للموضوع.. وما كاد يمر بالمكان الذي وجد فيه الفردة الاولى، حتى لمح بعض النفايات من اوراق الجرائد وغيرها متجمعة عند جذع شجرة صنوبر تحيط بها بعض النباتات اليابسة في مكان يبعد حوالي مترين شمالي المكان الذي وجد فيه الفردة الاولى.. تقدم من هذه الاوراق وأزاحها، فاذا بالفردة الاخرى مختفية هناك بصورة طبيعية، فرفعها مستخدماً ورقة من الاوراق المحيطة بها، وتفحصها. فإذا به يلاحظ آثار الاسنان لا تزال واضحة عليها…

    وقف المحامي برهة وهو يفكر ويقارن بين كل من هاتين الفردتين.. واخيراً هز رأسه وهو يقول في ذاته: “… لابد انه مجرم ذكي خطير! ..”

     وعند السور الرئيسي الذي يبلغ ارتفاعه حوالي ثلاثة أمتار او أقل بقليل، انقطع الاثر مما يؤكد خروج الهارب بتسلقه هذا السور.. فعاين المحامي المكان بشجرة كينا قريبة من السور، وتمتد أغصانها حتى تلامس القضبان الحديدية المدببة التي تعلوه. ثم خرج مع الشرطيين من بوابة السور الرئيسية وعادوا من خارج السور لمتابعة الاثر اذا أمكن.

    وهناك في الجهة المقابلة من حائط السور كانت توجد صخرة قد برز رأسها المسطح الذي يرتفع قليلاً عن سطح الارض والى جانبها عدة صخور أخرى مختلفة الاشكال والاحجام.. وقد تجمع على هذه الصخرة بقع دماء يستدل منها بان هناك جرحاً او جروحاً بالغة كانت تنزف. وقد استنتج المحامي انه اذا كانت هذه الدماء من الهارب، فلاشك انها حدثت له هنا في هذه المنطقة أثناء عملية التسلق او القفز. ولا يستبعد ان يكون قد جرح نفسه في هذه المحاولة بتلك القضبان الحديدية المدببة على شكل رماح، او شرائح الزجاج التي غرست جميعها في أعلى حائط السور بهدف منع المتسللين الى داخل القصر.

    كان المحامي يريد تتبع هذا الأثر ليرى ان كان بامكانه ان يوصله الى اي من البيوت الاخرى القريبة هناك، او ليعرف اي طريق او اتجاه سلك يمكّنه فيما بعد من تتبع البحث والاستقصاء. الا انه لسؤ الحظ فقد كل دليل عند تلك الصخرة. حتى ان آثار الدماء اقتصرت على تلك الصخرة ثم تابع سيره، والذي يؤيّد هذا الظن وجود الدماء الكثيرة التي تجمعت على الصخرة دون سواها، مما يدل على ان الجريح قد قضى وقتا هناك.. وبما ان تلك الارض صخرية وتربتها صلبة غير محروثة فلم ير آثار اقدام، وهذا جعل المحامي يكتفي بما حصل عليه من أدلة، تاركا الباقي لوقت آخر.

    بعد هذا الاجراء تأكد المحامي من صحة أقوال رائد، وتأكد كذلك بان هناك عناصر قوية خفية تعمل على ابعاد الشبهات عن القاتل الحقيقي، والصاق التهمة باي شخص آخر لطمس الحقيقة، وتبرئة الجاني. لذا أخذ جميع الاحتياطات لمواجهة كل ما يمكن ان يعترضه من عراقيل. وخوفاً من ان يغير الشرطيان شهادتهما اذا ما احتكا بتلك العناصر الخفية، نظم محضراً مفصلاً بكل ما شهد وجعل كلا من الشرطيين يقرأه ثم يوقع عليه قبل ان يغادروا المكان.

اسلوب آخر

    كانت الادلة التي جمعها المحامي كافية لتغيير وجه المحاكمة وللإلقاء أضواءجديدة عليها، وهي ان لم تؤكد بأن هناك أياد أخرى في الجريمة، فعلى الأقل تلقي شكاً في هذا الموضوع، و لذا كان يفترض من المحكمة المسارعة إلى قبول الاستئناف و البحث من جديد عن الهارب الذي تؤكده الادلة الدامغة.. الا ان المحكمة بدلاً من ان تسهل الامر، وان تأخذ على عاتقها بالسير في هذا المضمار، فقد وضعت كل العراقيل وكل الشكوك حول ما توصل اليه المحامي مسعود..

    وأخيراً لجأ المحامي الى أسلوب آخر.. فقد دعا الى منزله بعض زملائه الذين يثق فيهم ويعرف أنه لا يهمهم من عملهم سوى اظهار الحقائق واقامة العدل والمساواة بين الجميع لا فرق بين غني و فقير، او أبيض وأسود.. وشرح لهم ملابسات القضية واطلعهم على كل ما توصل اليه من ادلة واستقصاءات.. فلاقت دعوته استجابة وحماس من الجميع مما شجعه ودفعه للمضي بمهمته مهما كلفه ذلك. ومما قال له زملاؤه:

-إنا معك حتى الموت!.. هذا امر مصيري، ولا بد انه يتكرر، واذا ترك فانه سيتكرر ويتكرر.. يجب ان نقف في وجه هذا الانحدار الذي لا يليق بنا كبشر..الموت أفضل بكثير !.. فلنعمل !.. ولنعمل !.. حرام، ثم حرام… انسان برىء يموت.. وآخر مجرم يسرح ويمرح كيفما شاء!..

    واتفق الجميع على ان يعقدوا مؤتمراً صحفياً يستعرضون فيه هذا الامر، وينشرون جميع ما لديهم من أدلة، مع تصوير ما لديهم من وثائق ونشرها.. ولم ينسوا ان يدعوا للمؤتمر من الصحافيين الذين يثقون بنزاهتهم وحرية آرائهم.

وظهرت الصحف في اليوم التالي وهي تحمل صورة رائد وتطالب باعادة التحقيق فيما نسب اليه والبحث عن المجرم الهارب المتستر، وعن الايادي الخفية التي تخفيه وتقف وراءه.

    كما نشرت الصحف، نداء المحامين الذين اجتمعوا في المؤتمر الى جميع المحامين الشرفاء ان يؤيدوهم في مهمتهم لإيضاح الحقيقة. ونشرت توقيعاتهم جميعاً أسفل الطلب.

    وفي اليوم التالي حملت الجرائد أراء المزيد من المحامين، ورجال الفكر الحر والصحافة النزيهة بشأن هذه القضية، والجميع يجمعون على وجوب اعادة التحقيق بقضية “رائد اسماعيل الرشيدي”.

****

والي اللقاء في الخلقة الرابعة عشرة (أول الغيث)

شاهد أيضاً

لبنان بين راهن السلطة وميزان القوة: قراءة في تناقضات المشهد

بقلم: سمير باكير لم يعد خافياً أن للسلطة في لبنان رؤيةً مغايرةً لما يجري على …