لبنان بين راهن السلطة وميزان القوة: قراءة في تناقضات المشهد

بقلم: سمير باكير

لم يعد خافياً أن للسلطة في لبنان رؤيةً مغايرةً لما يجري على أرضها، فهي ترى في “التفاوض المباشر” مع العدو الإسرائيلي مخرجاً، وفي الحرب سبيلاً يجب تجنبه بأي ثمن. لكن الأفعال، وليس الأقوال، هي المؤشر الأصدق على النوايا الحقيقية. وسلوك هذه السلطة، بكل ما يحمله من مراهنة ضمنية على إسرائيل لكسر إرادة الجنوبيين ورفضهم للاحتلال، يكشف عن تناقض صارخ. فغياب أي رد فعل على قتل اللبنانيين وتدمير بيوتهم طوال خمسة عشر شهراً قبل الحرب الأخيرة، ثم الاعتراض الشديد على إطلاق ستة صواريخ في الأول من آذار الماضي، بينما تغاضت عن احتشاد مئة ألف جندي إسرائيلي على الحدود، هو موقف يفضح الأولويات. بل الأكثر إيلاماً أن السلطة لم تكتف بذلك، بل سعت إلى تجريم المقاومة، وسحبت الجيش من الجنوب في بداية الحرب، وخاضت مفاوضات فاشلة دون أي أوراق ضغط، ووافقت ضمنياً على استمرار القتل اللبناني بما يتوافق مع البند الثالث من بيان الخارجية الأميركية الأول. كما ضيّقت على الناس، وأجّلت إعادة الإعمار، وتجاهلت ملف الأسرى، ورفضت وقف إطلاق النار تحت الضغط الإيراني، متمسكة بالتفاوض رغم إصرار العدو على سفك الدماء.

هذا السلوك المؤلم لا يمكن تفسيره إلا بإشكالية أعمق: السلطة تبدو وكأنها ترى في نجاة الجنوبيين عقبة، فهي تقدّم للعدو كل الفرص ليُنجز مهمته، وتنزعج من تأخره في ذلك، وتوافق على كل مطالبه، وتتوتر من مجرد كلمة “نصر” تخرج من أفواه شعبها. هذا ليس رأياً آخر في استراتيجية الدفاع، بل هو انحياز واضح في معادلة الصراع.

وفي المقابل، يتجلى المشهد الإيراني بوصفه الفاعل الحقيقي الذي يترجم القوة إلى نتائج. فما أن أعلنت إيران عزمها غلق مضيق هرمز احتجاجاً على استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان، حتى وجّه نتنياهو جيشه بوقف تلك العمليات، في مشهد يكشف بوضوح أين تكمن الفاعلية الحقيقية. إيران تحمي لبنان مرة ثانية في أقل من شهر، لتنهار بذلك كل الروايات التي تسعى لتشييطن دورها، وتثبت أن منطق القوة هو الوحيد القادر على ردع العدو. وهنا تكمن المفارقة: كيف يمكن للسلطة اللبنانية أن تُروض نفسها على القبول بالوصاية الأميركية والإسرائيلية، بينما تتهاوى أمامها صورة إيران التي تدفع ثمناً باهظاً للدفاع عن سيادة لبنان؟ قارنوا بين موقف إيران الواضح من إسرائيل، وموقف خصومها الإقليميين الذين تحتل إسرائيل بلادهم، وتنتزع حقوقهم، ومع ذلك يلهثون خلف اتفاقات أمنية معها، متخلين عن واجبهم الدستوري في حماية أراضيهم، سواء كانوا حكاماً منتخبين أو مُتغلبين.

إن نظرة فاحصة إلى المشهد اللبناني تقودنا إلى خلاصة لا مفر منها: الدولة اللبنانية، من رئيسها وحكومتها، تتآمر على شعبها، وتذبحه على مهل بسكين إسرائيلية. فالسلم الأهلي، الذي يرفعه البعض كعنوان للتعالي عن الجراح، لن يكون في هذه المعادلة سوى غطاء للتمادي في العدوان، وذريعة لتكريس الإذلال. فكلما تغاضى اللبنانيون عن هذه الممارسات تحت مسمى الاستقرار، ازداد الخصم إجراماً وتجاوزاً. والحل الوحيد، في ظل غياب أي رادع داخلي، هو إسقاط هذا النظام الراهن الذي أثبت فشله الذريع في أداء أبسط وظائفه: حماية المواطن وصون كرامته. فلا مجال للانتظار أو الترقب، فالميدان يتسع، والخيار بين البقاء في دائرة القتل البطيء، أو الانتفاض على واقع لا يحمل إلا مزيداً من الخسارة. إنه خيار مصيري، تفرضه ضرورات البقاء أكثر مما تمليه الانفعالات العابرة.

شاهد أيضاً

الأب بطرس العاقوري … راهبُ كربلاء في عاشوراء

تداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي موقف لرئيس دير مار بطرس وبولس في بلدة القطين في …