علي الطاهر… الجبل الذي لم يتعب

علي علي احمد

ثمة جبالٌ لا تُقاس بارتفاعها، بل بما تحمله من عناد. وعلي الطاهر واحدٌ من تلك الجبال التي لا تعرف كيف تنحني. منذ أيام، والعدو يحاول أن يجد ثغرةً في صخوره، أن يقترب منه خطوةً، أن ينتزع من قمته صورة انتصارٍ يتباهى بها، لكنه يعود في كل مرة مثقلاً بعجزه، كأن الجبل نفسه يرفض أن يسمح للغريب أن يضع قدمه على ذاكرته.

وليس علي الطاهر مجرد جبلٍ من حجر. فمن بين صخوره يصعد أبناؤه، أولئك الذين لا يلوذون به، بل يحملونه معهم كما يحمل الابن وصية أبيه. كأن الجبل يمنحهم شيئاً من صلابته، ويستعير منهم نبض الحياة. يقفون حيث يتعب الآخرون، ويثبتون حيث تهرب الخطوات، ويصدّون التقدم لأنهم يعرفون أن وراءهم بيوتاً تنتظر، وقرىً لا تريد أن تُكتب في دفاتر الغياب.

ليس جديداً على هذه الأرض أن تكون عصيّة. فالأرض التي اعتادت أن تودع أبناءها، لا تمنح الغرباء مفاتيحها، لذلك ظلّ علي الطاهر واقفاً، كشيخٍ يعرف أن الرياح مهما اشتدت، فإنها ترحل في النهاية، بينما تبقى الجبال.

اما عن وقف إطلاق النار فمنذ ان اعلن ، لم تهدأ الغارات، ولم تتوقف السماء عن امتحان قلوب الناس. كانت الطائرات أصدق من البيانات، وكانت أصوات الانفجارات أعلى من كل الكلمات التي قيلت عن الهدوء. كأن الحرب، في هذه البلاد، لا تعترف بالأسماء التي يطلقها عليها السياسيون، وكأن الموت لا يقرأ الاتفاقات.

وفي هذا الزمن المعلّق بين حربٍ لم تنتهِ وسلامٍ لم يصل، ما زال الرجال يرتقون، وما زالت عائلاتٌ بأكملها، وأطفالٌ لم يعرفوا من الدنيا سوى الخوف، يسقطون بإجرام العدو. يمضون بصمت، فيما يبقى الناجون يحملون عبء الغياب، ويواصلون حياتهم كأن شيئاً لم ينكسر، رغم أن كل شيء قد انكسر.

فالناس تعبت من الانتظار، ومن الوعود التي لا تصل، ومن دولةٍ نائمة تركتهم وحدهم على حافة المجهول. متعبة من أن تُترك القرى لمصيرها، ومن أن يصبح الخوف خبزاً يومياً، ومن أن يعتاد الإنسان حمل حياته في حقيبة، كأن النزوح قدرٌ مكتوب لا فكاك منه.

ولعل الناس، وسط هذا التعب كله، لا ينظرون إلى علي الطاهر بوصفه مجرد جبل، بل كما ينظر الغريق إلى آخر قطعة ضوء في العتمة. ففي زمن الخذلان، وزمن الدولة النائمة، وزمن الأبواب الموصدة، بقي هذا الجبل حارساً لأحلامهم الصغيرة، وشاهداً على أن العودة لم تمت بعد.

فأولئك الذين يصعدون من بين صخوره، ويقاومون، ويصدّون، ليسوا مجرد رجالٍ يحملون السلاح، بل هم أمل القرى بالعودة، وهم الرجاء الذي يتمسك به الأهالي كلما ضاقت الدنيا، وهم الوعد الصامت بأن النوافذ التي أغلقتها الحرب ستُفتح يوماً، وأن الطرقات التي أثقلها الدخان ستعرف وقع الخطى من جديد.

علي علي احمد

شاهد أيضاً

الأب بطرس العاقوري … راهبُ كربلاء في عاشوراء

تداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي موقف لرئيس دير مار بطرس وبولس في بلدة القطين في …