بقلم الكاتب نضال عيسى
لا تزال الأعتداءات الإسرائيلية في جنوب لبنان مستمرة، لا كأختراق عابر للحدود، بل كمشروع ممنهج لهدم الأرض وطمس الهوية. لم يعد الأمر يقتصر على قصف وتفجير وحرق القرى. اليوم وصل الإجرام إلى ما هو أبعد من الحجر والشجر، وصل إلى حرمة الموتى.
في كفركلا، لم تكتفِ آليات العدو بتسوية البيوت بالأرض. تقدمت أكثر، وجرفت المقابر. نُبشت قبور الأجداد وتطايرت الرفات بين الأنقاض. أي حرب هذه التي لا تحترم حتى من سبقونا إلى التراب؟ وأي منطق هذا الذي يرى في عظام الموتى تهديداً يجب إزالته؟
واليوم يتكرر المشهد في بنت جبيل. نفس النية، نفس الأدوات، نفس الهدف، جرف المقابر. يريدون أن يعود أهلنا فلا يجدون قبراً يقرأون عليه الفاتحة، ولا أسماً يحفرونه على شاهد، ولا ذاكرة يعلقون بها الحزن. إنهم لا يفجرون القرى فقط لتغيير معالمها، بل يجرفون المقابر لمحو تاريخها. هذا ليس عملاً عسكرياً، هذا حقد أعمى يسعى لأقتلاع الجذور.
أي إنسانية يتحدثون عنها في بياناتهم؟ وأي قوانين دولية يحتمون بها بينما ينبشون القبور؟. البناء يعوّض، والأرض تُزرع من جديد، لكن حين تُمحى مقابر الأهل، تُمحى معها حكاية قرية بأكملها.
والأكثر الما” من فعل العدو، صمت السلطة. سلطة ما زالت تصر على السير في مفاوضات مباشرة مع مَن يجرف قبورنا، ولم تبذل جهداً واحداً لوقف هذا العبث.وما زالت أبواق الحقد الداخلية المتخاذلة تبث سمومها الطائفية على مَن قدم الدماء لأجل لبنان.
لا تحرك دبلوماسياً يليق، لا أحتجاجاً دولياً يردع، لا قراراً يحمي ما تبقى من كرامة.
ولا وطنية عند مَن يؤيدون العدو الإسرائيلي ويحملون الهوية اللبنانية.
إذا كانت الدولة عاجزة عن حماية الأحياء، فعلى الأقل كان يجب أن تحمي الأموات. لكن يبدو أن الخيار اليوم هو التطبيع مع الأنتهاك، والتفاوض فوق جث القرى وجث من فيها.
إن ما يجري في كفركلا وبنت جبيل ليس تفصيلاً في حرب. هو إعلان إجرامي واضح، العدو لا يريد فقط أرضاً خالية، بل يريد ذاكرة خالية. يريد جنوباً بلا شواهد، بلا أسماء، بلا فاتحة تُقرأ.
الجميع في صمت معيب ومريب، إجرام وقتل وتفجير وتاريخ عائلات أصبح مبعثر تحت أنقاض قراهم ،وعندما تقرر المقاومة الرد تنطلق أبواق الفتنة لتحملها المسؤولية.
أما نحن، فسنبقى نسأل إلى متى؟ وإلى أين تقودنا مفاوضات السلطة المتخاذلة بينما تُجرف القبور؟
نضال عيسى
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
