فاقت بهية

*رئـيـس تـحـريـر صـحـيـفـة “عـكـس الـسـيـر” شـادي مـنـصـور*‏

صحصحت بهيّة الحريري بعد ثلاث سنوات من النزوح، من سُباتها وصرّحت “كاشفةً” أنّ بعض النازحين في صيدا “بيطلعوا ع الضيعة بالويك إند وبيرجعوا الإثنين كأنو أوتيل”.

اكـتـشـافٌ مـتـأخّـر، لـكـنّـه مـذهـل…‏

فالنازح، بحسب هذه النظريّة، لا يعود إلى قريته ليتفقّد منزله، أو أرضه، أو ما تبقّى من عمره هناك.

بل يغادر “الأوتيل” في عطلة نهاية الأسبوع، ثم يعود إليه نهار الإثنين ليستأنف النقاهة. أين؟ في صيدا!

‏ثلاث سنوات مرّت على آلاف العائلات وهي تعيش خارج بيوتها، ولم نسمع موقفاً من بهية يُذكر.

لا عن بدل الإيواء، ولا عن المدارس، ولا عن كلفة النقل، ولا عن العائلات الموزّعة بين بيتٍ مهدّم وغرفة مستأجرة.

لكنّ المشكلة ظهرت فجأة عندما صار النازح يزور بلدته يومين ثم يعود.

‏بعض الأهالي يستطيعون زيارة قراهم، خصوصاً في الصيف. يستطيعون فتح باب البيت، إزالة الغبار، تفقد الخزان، الجلوس لساعات، وربما النوم ليلة أو ليلتين.

لكن هل توجد كهرباء؟ هل توجد مياه؟ هل عادت المدارس؟ هل يوجد عمل؟ هل الطرق آمنة؟ وهل البيت صالح أصلاً للسكن الدائم؟

‏القدرة على زيارة المنزل لا تعني القدرة على العودة إليه.

‏النازح لا يرجع إلى صيدا لأنّه أعجب بخدمة الغرف، بل لأنّ قريته لا تزال بلا مقوّمات حياة.

يعود لأنّ أطفاله في مدارس صيدا، ولأنّ عمله هناك، ولأنّ الدواء والمستشفى والسوق هناك. يعود لأنّ الدولة التي لم تؤمّن عودته، تريد اليوم أن تحاسبه على طريقة نزوحه.

‏أما أهل صيدا، فلم يتعاملوا مع النازحين كزبائن في فندق. فتحوا بيوتهم ومدارسهم وأحياءهم، وتقاسموا معهم ضغط المدينة وأزماتها

. ومن المعيب اختصار هذه العلاقة الإنسانية بصورة نازح يحمل حقيبته يوم الجمعة ويعود يوم الإثنين.

‏بعد ثلاث سنوات من الصمت، لم تكن المشكلة أنّ بهيّة الحريري تكلّمت.

المشكلة أنّها فاقت، فنظرت إلى النازحين من شرفة “الأوتيل”، لتعود وتغطّ في نومٍ عميقٍ بعد الإدلاء بدلوها.

شاهد أيضاً

اتفاقيات إبراهام: من نصرة فلسطين إلى العبودية للتحالف الصهيوني-الأمريكي

نبيل الجمل إن التحولات المعاصرة في عالمنا العربي والإسلامي تكشف عن انزلاق خطير يمس العقيدة …