الأستاذ الدكتور محمد خليل: التعليم رسالة، والبحث العلمي مسؤولية، وخدمة المجتمع امتداد طبيعي للعمل الأكاديمي

 

مسيرة أكاديمية وبحثية طويلة، جمعت بين التعليم الجامعي، والإشراف على الباحثين وطلاب الدكتوراه، والعمل في الذكاء الاصطناعي والهندسة الطبية، إلى جانب تجربة في الشأن العام والعمل البلدي. في هذه المقابلة، يتحدث الأستاذ الدكتور المهندس محمد خليل عن أبرز محطات مسيرته، ورؤيته للتعليم والبحث العلمي، وتجربته في رئاسة بلدية عكار العتيقة، وعلاقته الدائمة بقضايا

مقابلة مع البروفيسور الدكتور المهندس محمد علي خليل

حوار رئيس التحرير فؤاد رمضان – موقع مجلة كواليس –


*السؤال الأول: بدايةً، كيف تقدمون أنفسكم إلى قراء المجلة؟

أنا البروفيسور الدكتور المهندس محمد علي خليل، من مواليد عكار العتيقة عام 1973، أستاذ في كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية، ومدير مركز العزم لأبحاث البيوتكنولوجيا التابع للمعهد العالي للدكتوراه في العلوم والتكنولوجيا، ومنسق ماجستير إنترنت الأشياء والأنظمة الذكية في كلية الهندسة.
اختصاصي الأساسي هو الهندسة الطبية الحيوية، ومعالجة الإشارات والصور، والذكاء الاصطناعي وتطبيقاته الطبية والهندسية. وقد جمعت مسيرتي بين التعليم الجامعي، والبحث العلمي، والإشراف على طلاب الدراسات العليا والدكتوراه، وإدارة المشاريع البحثية، والتعاون مع جامعات ومراكز علمية دولية، إلى جانب العمل العام من خلال عضويتي الطويلة في المجلس البلدي ورئاستي لبلدية عكار العتيقة لدورة كاملة.
أؤمن بأن قيمة العلم لا تكتمل إلا عندما يوضع في خدمة الإنسان والمجتمع، ولذلك حاولت دائمًا الربط بين الجامعة والبحث العلمي من جهة، واحتياجات الناس والتنمية المحلية من جهة أخرى.

*السؤال الثاني: ما أبرز مؤهلاتكم الأكاديمية والعلمية؟

بدأت مسيرتي الأكاديمية بالحصول على شهادة الهندسة في الكهرباء والإلكترونيك من كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية عام 1995. ثم تابعت دراساتي العليا في التقنيات الطبية في جامعة التكنولوجيا في كومبيان في فرنسا، بمنحة من الوكالة الجامعية للفرنكوفونية.
حصلت عام 1999 على الدكتوراه في تقنيات الهندسة الطبية من جامعة التكنولوجيا في كومبيان، بتقدير «مشرف جدًا مع تهاني لجنة التحكيم». وفي عام 2006 حصلت من الجامعة نفسها على شهادة التأهيل للإشراف على الأبحاث، المعروفة بـHDR، وهي من أعلى المؤهلات الأكاديمية التي تتيح الإشراف على الباحثين وأطروحات الدكتوراه. وفي عام 2008 حصلت على رتبة أستاذ، بروفيسور، في الجامعة اللبنانية.
وقد أتاحت لي هذه المسيرة الجمع بين التكوين الهندسي والاختصاص الطبي والبحث العلمي، ثم التوسع في مجالات الذكاء الاصطناعي، ومعالجة البيانات، والأنظمة الذكية.

*السؤال الثالث: كيف بدأت مسيرتكم في التعليم الجامعي، وماذا يمثل التعليم بالنسبة إليكم؟

التعليم بالنسبة إليّ ليس وظيفة، بل رسالة ومسؤولية. بدأت عملي في الجامعة اللبنانية، ووجدت نفسي أمام طلاب يمتلكون الكثير من الطاقات والطموحات، لكنهم يحتاجون إلى من يوجههم، ويؤمن بقدراتهم، ويفتح أمامهم الطريق.
أرى أن دور الأستاذ الجامعي لا يقتصر على تقديم المعلومات أو إنهاء المقرر، بل يشمل بناء عقلية الطالب، وتعليمه كيف يفكر، وكيف يبحث، وكيف يتحقق من المعلومة، وكيف يحول المعرفة إلى مشروع أو حل لمشكلة حقيقية.
ومن أكثر الأمور التي أعتز بها أنني رافقت أجيالًا من الطلاب والباحثين، وأشرفت سابقًا على أكثر من خمسين أطروحة دكتوراه، إضافة إلى عشرات رسائل الماجستير ومشاريع التخرج، كما أواصل حاليًا الإشراف على عدد من أطروحات الدكتوراه في مجالات الذكاء الاصطناعي والهندسة الطبية والأمراض العصبية.
نجاح الأستاذ لا يُقاس فقط بما ينشره من أبحاث، وإنما أيضًا بما يتركه من أثر في طلابه، وبعدد الأشخاص الذين ساعدهم على بناء مستقبلهم العلمي والمهني.

*السؤال الرابع: ما أبرز المواد التي تدرّسونها في الجامعة؟

تركز المواد التي أدرّسها على المجالات الهندسية الحديثة والمتداخلة، وخصوصًا معالجة الإشارات والصور، والهندسة الطبية الحيوية، والذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، وتحليل البيانات، والرؤية الحاسوبية، وإنترنت الأشياء، والأنظمة الذكية.
وتشمل هذه الموضوعات كيفية التقاط الإشارات الطبية وتحليلها، مثل إشارات القلب والدماغ والعضلات، واستخدام الخوارزميات لاستخراج المعلومات المهمة منها، إلى جانب تحليل الصور الطبية، وتصميم الأنظمة الذكية، وتطوير تطبيقات تعتمد على الحساسات والاتصال ومعالجة البيانات.
أحرص في التدريس على ألا تبقى المادة في إطارها النظري فقط، بل أربطها بتطبيقات في الطب والصناعة والزراعة والبيئة، لأن الطالب يتفاعل بصورة أفضل عندما يدرك كيف يمكن للمعرفة أن تتحول إلى أداة عملية.

*السؤال الخامس: ما الفلسفة التعليمية التي تعتمدونها مع طلابكم؟

أؤمن بأن الطالب يجب أن يكون شريكًا في العملية التعليمية، لا مجرد متلقٍّ. ففي الماضي كان الأستاذ هو المصدر الأساسي للمعلومات، أما اليوم فأصبحت المعرفة متاحة عبر الإنترنت ومنصات التعليم وأدوات الذكاء الاصطناعي.
لذلك تغير دور الأستاذ من ناقل للمعلومات إلى موجّه ومشرف ومدرب على التفكير النقدي. والمطلوب اليوم أن نعلم الطالب كيف يطرح السؤال الصحيح، وكيف يختار المصدر الموثوق، وكيف يميز بين المعلومة الدقيقة والمعلومة الخاطئة، وكيف يستخدم التكنولوجيا من دون أن يفقد استقلاليته الفكرية.
كما أركز على التعلم بالمشاريع، وعلى ربط الدروس بمشكلات واقعية، وتشجيع الطلاب على البحث والعمل الجماعي والابتكار. فالجامعة لا ينبغي أن تخرّج فقط حامل شهادة، بل إنسانًا قادرًا على التفكير واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.

احد الصور لتكريم الطلاب خلال العمل البلدي


السؤال السادس: لكم حضور في عدد من الجامعات الدولية، ماذا أضافت هذه التجارب إلى مسيرتكم؟

كان لي شرف التدريس وإلقاء المحاضرات والمشاركة في النشاطات العلمية في عدد من الجامعات والمراكز البحثية في فرنسا وأستراليا وروسيا وغيرها. ومن بين الجامعات الفرنسية التي تعاونت معها جامعات كومبيان وليل ورين وروان وبواتيه وباريس.
أتاحت لي هذه التجارب الاطلاع على أساليب مختلفة في التعليم والبحث العلمي وإدارة المختبرات والمشاريع. كما ساعدت على بناء شراكات بحثية، ودعم التبادل الطلابي، وفتح فرص أمام طلاب وباحثين لبنانيين للتعاون مع مؤسسات دولية.
وأعتبر أن التعاون الدولي لا تكون قيمته في السفر أو المشاركة الشكلية، بل في نقل الخبرات، وتأسيس أبحاث مشتركة، وتطوير برامج علمية، وتمكين الطلاب من الاستفادة من المختبرات والشبكات البحثية العالمية.

زيارة الى جامعات اوستراليا


*السؤال السابع: ماذا عن مسيرتكم في البحث العلمي؟.


البحث العلمي ركن أساسي في مسيرتي الأكاديمية. وقد نشرت وشاركت في إعداد مئات الأبحاث والأعمال العلمية في مجلات ومؤتمرات دولية محكمة، وشاركت في أكثر من 180 مؤتمرًا علميًا في لبنان والمنطقة وأوروبا وأستراليا، بصفة باحث ومحاضر ومتحدث رئيسي.

كما شاركت في تحكيم أبحاث لمجلات علمية دولية، وفي لجان مناقشة أطروحات دكتوراه داخل لبنان وخارجه. وأتولى منذ عام 2009 إدارة مركز العزم لأبحاث البيوتكنولوجيا، كما أشغل عضوية المجلس العلمي في المعهد العالي للدكتوراه في العلوم والتكنولوجيا.
لكنني لا أرى البحث العلمي مجرد أرقام أو منشورات. البحث الحقيقي هو الذي يضيف معرفة جديدة، ويكوّن باحثين شبابًا، ويساعد على معالجة مشكلة طبية أو صناعية أو زراعية أو مجتمعية.

*السؤال الثامن: ما أبرز المحاور البحثية التي عملتم عليها؟

تركز جانب مهم من أبحاثي على استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل الإشارات الطبية والحيوية.
من بين هذه الأبحاث التقاط الإشارات الرحمية وتحليلها بهدف المساعدة على الكشف المبكر عن احتمال الولادة المبكرة، وتحليل إشارات الدماغ للمساهمة في دراسة أمراض مثل ألزهايمر وباركنسون والاكتئاب.
كما عملنا على واجهات الدماغ والحاسوب، أو ما يعرف بالتحكم عبر التفكير، حيث تتم دراسة إشارات الدماغ وتحويلها إلى أوامر يمكن أن تساعد الإنسان على التحكم في أجهزة أو أنظمة معينة.
وشملت الأبحاث أيضًا تحليل الصور الطبية باستخدام الذكاء الاصطناعي، ومعالجة الإشارات القلبية وضغطها لتخزينها ونقلها بكفاءة، إضافة إلى تحليل الإشارات الاهتزازية للآلات بهدف اكتشاف الأعطال الصناعية قبل وقوعها.
هذه التطبيقات تظهر أن الذكاء الاصطناعي ليس مجالًا نظريًا منفصلًا، بل أداة يمكن استخدامها في الطب والصناعة والزراعة والتعليم ومجالات أخرى كثيرة.

السؤال التاسع: لكم أيضًا خبرة في إدارة المشاريع البحثية، فما أبرزها؟
شاركت في إدارة عدد من المشاريع البحثية المحلية والدولية، ومن بينها مشروعان ممولان من الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع الجامعة اللبنانية.
يرتبط أحد هذه المشاريع بالزراعات المائية الذكية، حيث يجري استخدام الحساسات وإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي لمراقبة المياه والبيئة الزراعية واتخاذ قرارات تساعد على تحسين الإنتاج وترشيد استخدام الموارد.
أما المشروع الآخر فيتناول معالجة مياه الصرف الصحي وتحويلها إلى مياه يمكن الاستفادة منها في الري الزراعي، وهو موضوع بالغ الأهمية في ظل مشكلة ندرة المياه والتغيرات المناخية وارتفاع كلفة الموارد.
وإدارة المشروع البحثي لا تقتصر على الجانب العلمي، بل تشمل تشكيل فرق متعددة الاختصاصات، والتنسيق بين الجامعات والمؤسسات، وإدارة الميزانية والوقت، ومتابعة مراحل التنفيذ، وتحويل النتائج العلمية إلى تطبيقات قابلة للاستخدام.

*السؤال العاشر: الذكاء الاصطناعي بات حاضرًا في معظم مجريات حياتنا، فهل أصبح من الضروريات؟

نعم، أصبح الذكاء الاصطناعي من الأدوات الأساسية في عالمنا المعاصر، ولم يعد موضوعًا مستقبليًا أو اختصاصًا محصورًا بعدد محدود من الباحثين. إنه حاضر اليوم في الطب والتعليم والزراعة والصناعة والإدارة والإعلام والمواصلات والخدمات المالية وغيرها.
لكن الضرورة لا تعني أن يستخدمه الجميع بالطريقة نفسها، بل تعني أن نمتلك ثقافة أساسية تمكّننا من فهمه والتعامل معه. فكما أصبحت معرفة استخدام الحاسوب والإنترنت ضرورة في مرحلة سابقة، أصبحت معرفة مبادئ الذكاء الاصطناعي واستخداماته وحدوده ضرورة في المرحلة الحالية.
المؤسسات التي تتجاهل هذه التحولات قد تجد نفسها متأخرة، لكن المؤسسات التي تتبناها من دون ضوابط أو تخطيط قد تقع أيضًا في مشكلات كبيرة. ولذلك نحتاج إلى استخدام واعٍ ومدروس، وإلى إعداد الكفاءات، وتطوير التشريعات، وحماية البيانات، والمحافظة على دور الإنسان في اتخاذ القرار.

تدريب في مصر


*السؤال الحادي عشر: ما أبرز إيجابيات الذكاء الاصطناعي؟

يوفر الذكاء الاصطناعي إمكانات كبيرة لتحليل كميات ضخمة من البيانات بسرعة، واكتشاف أنماط قد يصعب على الإنسان ملاحظتها، ودعم اتخاذ القرار في المجالات المعقدة.
في الطب، يمكنه مساعدة الأطباء على تحليل الصور والإشارات الطبية والكشف المبكر عن بعض الحالات. وفي التعليم، يستطيع المساهمة في تخصيص المحتوى وفق مستوى الطالب وتبسيط المفاهيم وتقديم أنشطة تفاعلية.
وفي الزراعة، يمكن استخدامه لمراقبة المياه والتربة والمحاصيل وتوقع المشكلات وترشيد الاستهلاك. وفي الصناعة، يساعد على اكتشاف الأعطال قبل وقوعها وتحسين الإنتاج والجودة. كما يمكنه تخفيف الأعمال المتكررة، ورفع الكفاءة، وإتاحة الوقت للإنسان للتركيز على المهام الإبداعية والاستراتيجية.
إيجابيات الذكاء الاصطناعي كبيرة، لكن قيمته الحقيقية تظهر عندما يكون في خدمة الإنسان، لا عندما يتحول إلى غاية في ذاته.

*السؤال الثاني عشر: في المقابل، ما أبرز سلبياته ومخاطره؟

من أهم المخاطر الاعتماد المفرط على الأدوات الذكية، بحيث يتراجع التفكير الشخصي ويصبح المستخدم مستهلكًا للإجابات بدل أن يكون باحثًا ومحللًا.
هناك أيضًا مشكلة المعلومات الخاطئة أو ما يسمى بالهلوسة، إذ يمكن لبعض الأنظمة أن تقدم إجابات تبدو مقنعة لكنها غير صحيحة. لذلك لا بد من التحقق من المعلومات، وخصوصًا في المجالات الطبية والقانونية والعلمية.
وتوجد تحديات مرتبطة بالخصوصية وحماية البيانات، والانحياز في الخوارزميات، وانتهاك الملكية الفكرية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في التضليل أو التزييف، إضافة إلى تأثيره المتوقع في سوق العمل وبعض الوظائف.
وفي التعليم قد يستخدمه بعض الطلاب لإنجاز الواجبات من دون فهم، ما يضعف قدرتهم على التعلم الحقيقي. والحل ليس بمنع التكنولوجيا، بل ببناء الوعي، ووضع قواعد أخلاقية وتشريعية، وتطوير طرق التدريس والتقييم، والإبقاء على الرقابة والمسؤولية البشرية.

*السؤال الثالث عشر: كيف تقيّمون تجربتكم في العمل البلدي؟
كانت تجربة العمل البلدي من أغنى التجارب في حياتي وأكثرها صعوبة في الوقت نفسه. فقد كنت عضوًا منتخبًا في المجلس البلدي منذ عام 2004، ثم توليت رئاسة بلدية عكار العتيقة بين عامي 2019 و2025، أي خلال مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ لبنان.
تزامنت الدورة مع الأزمة الاقتصادية والمالية، وانهيار قيمة العملة، وجائحة كورونا، وتراجع إمكانات البلديات، وارتفاع كلفة الخدمات والمحروقات والصيانة. ولذلك لم تكن الظروف طبيعية، وكان علينا أن نعمل ضمن موارد محدودة جدًا وحاجات متزايدة لدى المواطنين.
ومع ذلك، أعتبر التجربة مهمة، لأنها قربتني أكثر من الناس، وأتاحت لي تحويل جزء من الخبرة الأكاديمية والإدارية إلى خدمة المجتمع. وتعلمت منها أن العمل البلدي يحتاج إلى الصبر، والواقعية، والتواصل، والعمل الجماعي، والقدرة على ترتيب الأولويات.

*السؤال الرابع عشر: ما أبرز العقبات التي حالت دون تنفيذ بعض المشاريع المخططة؟

العقبة الأساسية كانت الأزمة المالية التي أصابت الدولة والبلديات، وأدت إلى تراجع حاد في القيمة الفعلية للعائدات البلدية. فمشاريع كانت قابلة للتنفيذ عند بداية التخطيط أصبحت تكلفتها بعد مدة أضعاف المبالغ المرصودة لها.
كما واجه العمل البلدي البيروقراطية الإدارية، وبطء المعاملات، وتأخر المستحقات، وصعوبة تأمين التمويل، إضافة إلى الأزمات الصحية والاجتماعية المتلاحقة. وفي بعض الأحيان لا تكون المشكلة في غياب الفكرة أو الإرادة، بل في عدم توافر الموارد والصلاحيات والظروف المناسبة للتنفيذ.
ومن الضروري أن يفهم المواطن أن البلدية ليست دولة مستقلة، وأن إمكاناتها مرتبطة بإيراداتها وبالقوانين والقرارات الإدارية. ومع ذلك، تقع على المجلس البلدي مسؤولية البحث عن حلول بديلة، والتعاون مع الجهات المانحة والمغتربين والجمعيات وأصحاب الاختصاص.

السؤال الخامس عشر: ما أبرز الإنجازات التي تحققت خلال عهدكم البلدي؟

رغم الظروف الصعبة، استمر العمل على عدد من المشاريع والنشاطات التنموية والمحلية والثقافية والبيئية، كما جرى التعامل رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرّ بها لبنان، ولا سيما خلال جائحة كورونا، حرصنا على المحافظة قدر الإمكان على استمرارية الخدمات الأساسية، والتجاوب مع احتياجات الأهالي، وتعزيز التواصل مع أبناء البلدة في الداخل ومع المغتربين والجهات الداعمة.
ومن أبرز الملفات التي عملنا عليها معالجة أزمة النفايات، حيث كان لدعم المغتربين دور أساسي في مساعدة البلدية على الاستمرار في القيام بواجباتها في ظل الانهيار المالي وتراجع الإمكانات. كما تعاونت البلدية مع عشرات الجمعيات والمؤسسات الأهلية والإنسانية التي ساهمت في مساعدة العائلات المحتاجة، وتنفيذ مبادرات اجتماعية وصحية وتربوية، ودعم الفئات الأكثر تأثرًا بالأزمات.
ولم يقتصر العمل على المساعدات المباشرة، بل شمل أيضًا تنفيذ مشاريع تنموية، من بينها المساهمة في إنشاء وتأهيل قنوات للري في البلدة، ودعم القطاع الزراعي، وتشجيع المبادرات التي تهدف إلى تمكين الإنسان وتعزيز قدرته على الإنتاج والاستمرار.
وأعتبر أن من أهم ما تحقق خلال تلك المرحلة ترسيخ مفهوم أن البلدية ليست مؤسسة تقتصر مهمتها على الطرقات والنظافة وجمع النفايات، بل هي مؤسسة للتنمية المحلية الشاملة، يمكنها أن تؤدي دورًا فاعلًا في التعليم والثقافة والبيئة والزراعة والعمل الاجتماعي، وأن تبني شراكات حقيقية مع المجتمع المدني والمغتربين وأصحاب الاختصاص لخدمة البلدة وأهلها.

السؤال السادس عشر: كيف كان التجانس والتعاون داخل المجلس البلدي؟

العمل البلدي بطبيعته عمل جماعي، ولا يستطيع الرئيس أن ينجح بمفرده. المجلس يضم أشخاصًا من خلفيات وآراء وتجارب مختلفة، ولذلك يحتاج إلى الحوار، وتوزيع المسؤوليات، واحترام الرأي الآخر.
كانت رؤيتي أن الاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي، شرط ألا يتحول إلى خلاف شخصي، وأن يبقى الهدف الأساسي هو مصلحة البلدة. وقد سعيت إلى الاستفادة من قدرات أعضاء المجلس وإشراكهم في الملفات والقرارات وفق الإمكانات المتاحة.
التجانس لا يعني أن يكون الجميع على رأي واحد، بل أن يستطيعوا مناقشة الاختلاف والوصول إلى قرار، ثم التعاون على تنفيذه. وكلما كانت العلاقة قائمة على الوضوح والثقة وتحديد المسؤوليات، أصبحت قدرة المجلس على الإنجاز أكبر.

*السؤال السابع عشر: هل استعنتُم بأصحاب الاختصاصات والمجتمع المدني في البلدة؟

نعم، لأن المجلس البلدي، مهما كانت كفاءة أعضائه، لا يستطيع أن يمتلك الخبرة المتخصصة في جميع المجالات. البلدة تضم مهندسين وأطباء وأساتذة جامعات ومحامين وخبراء ورجال أعمال وناشطين اجتماعيين ومغتربين، وهذه طاقة كبيرة يجب الاستفادة منها.
أؤمن بأن البلدية الناجحة هي التي تفتح المجال أمام أصحاب الخبرة للمساهمة في تقديم الأفكار والاستشارات والمبادرات. والمشاركة لا تعني بالضرورة أن يكون صاحب الاختصاص عضوًا في المجلس، بل يمكنه أن يشارك ضمن لجنة استشارية أو فريق عمل أو مشروع محدد.
كما أن إشراك المجتمع المدني يعزز الشعور بالمسؤولية المشتركة، وينقل المواطن من موقع المطالبة بالخدمة فقط إلى موقع المشاركة في التخطيط والتنفيذ والمحافظة على الإنجازات.

*السؤال الثامن عشر: كيف تقيّمون ثقافة المواطن تجاه العمل البلدي؟

توجد لدى المواطنين رغبة حقيقية في تحسين بلداتهم، لكن الثقافة البلدية لا تزال بحاجة إلى تطوير. فكثيرون ينظرون إلى البلدية باعتبارها الجهة المسؤولة وحدها عن كل شيء، من دون معرفة حدود صلاحياتها أو مواردها.
العمل البلدي شراكة. البلدية تخطط وتنظم وتنفذ ضمن إمكاناتها، لكن المواطن مسؤول أيضًا عن احترام القوانين، والمحافظة على الممتلكات العامة، والتعاون في قضايا النظافة والبيئة والبناء، ودفع الرسوم المستحقة، وتقديم الاقتراحات بصورة بناءة.
نحتاج إلى الانتقال من ثقافة السؤال: «ماذا قدمت البلدية لي؟» إلى ثقافة أوسع تسأل أيضًا: «ماذا يمكنني أن أقدم لبلدتي؟». عندما تتطور هذه الثقافة، يصبح العمل البلدي أكثر استدامة وتقل النزاعات وسوء الفهم.

*السؤال التاسع عشر: هل يمكن أن تعيدوا تجربة الترشح لرئاسة البلدية مستقبلًا؟

العمل العام ليس منصبًا يُطلب لذاته، بل مسؤولية يجب تقييمها وفق الظروف والحاجة وإمكان تحقيق فائدة حقيقية للناس.
تجربتي البلدية كانت مهمة وغنية، لكنها كانت أيضًا شاقة، وخصوصًا أنها جرت في ظروف استثنائية. أما قرار خوض تجربة جديدة مستقبلًا، فلا يمكن التعامل معه باعتباره قرارًا شخصيًا فقط، بل يجب أن يرتبط بوجود مشروع واضح، وفريق متجانس، وثقة مجتمعية، وإمكانات تسمح بالعمل والإنجاز.
بالنسبة إليّ، خدمة البلدة والمجتمع لا تتوقف على موقع أو منصب. يمكن للإنسان أن يخدم من الجامعة، أو من البحث العلمي، أو من خلال مبادرة اجتماعية أو تنموية. وإذا توفرت في المستقبل الظروف التي تجعل العودة إلى العمل البلدي ذات قيمة فعلية للبلدة، فإن كل خيار يمكن أن يكون موضع دراسة وتشاور.

 لبنان في اليونان في احد المشاريع الاوروبية


*السؤال العشرون: حصلتم على جوائز وتكريمات عديدة، فما الذي يعنيه لكم هذا التقدير؟

حصلت خلال مسيرتي على عدد من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة أفضل أستاذ مشرف من جمعية الصناعيين اللبنانيين، وجائزة الابتكار من الوكالة الجامعية للفرنكوفونية، وجوائز لمشاريع بحثية ابتكارية من وزارة الصناعة، وجائزة المجلس الوطني للبحوث العلمية كأفضل باحث في العلوم الهندسية عام 2015.
كما نلت وسام «مشرف» من جوقة الشرف اللبنانية الفرنسية عام 2016، تقديرًا للإسهامات العلمية في التعاون الأكاديمي بين لبنان وفرنسا.
هذه الجوائز مصدر اعتزاز، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية. فالتكريم لا ينبغي أن يجعل الإنسان يكتفي بما أنجزه، بل يجب أن يدفعه إلى المزيد من العطاء، وأن يذكّره بأن نجاحه كان نتيجة تعاون طلاب وباحثين وزملاء ومؤسسات وعائلة وقفت إلى جانبه.
السؤال الحادي والعشرون: ما أبرز طموحاتكم العلمية والأكاديمية؟
أطمح إلى مواصلة تطوير البحث العلمي التطبيقي، وخصوصًا في الذكاء الاصطناعي والهندسة الطبية والزراعة الذكية وإنترنت الأشياء والأنظمة الذكية.
كما أطمح إلى إنشاء مزيد من الشراكات بين الجامعة اللبنانية والجامعات الدولية، وتأمين فرص حقيقية للطلاب والباحثين الشباب، وتطوير مختبرات قادرة على إنتاج أبحاث وحلول تنافس على المستوى العالمي.
ومن طموحاتي الأساسية أيضًا ربط البحث العلمي باحتياجات لبنان، وخصوصًا في مجالات الصحة والمياه والزراعة والطاقة والبيئة. لدينا كفاءات بشرية كبيرة، لكننا نحتاج إلى بيئة تحتضنها وتوفر لها الإمكانات، بدل أن يكون خيارها الوحيد هو الهجرة.

*السؤال الثاني والعشرون: ما أمنيتكم لعكار وللبنان؟

أتمنى أن تحصل عكار على حقها في التنمية والتعليم والخدمات والفرص، فهي منطقة غنية بالطاقات البشرية والطبيعية، لكنها لم تنل دائمًا الاهتمام الذي تستحقه.: الجامعة والمطار والطرقات والحفاظ على البيئة…
وأتمنى للبنان أن يستعيد الاستقرار، وأن يعيد الاعتبار إلى مؤسساته التعليمية والبحثية، وعلى رأسها الجامعة اللبنانية، لأنها تشكل إحدى أهم ركائز بناء الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية.
كما أتمنى أن ننتقل من معالجة الأزمات اليومية إلى التخطيط للمستقبل، وأن يصبح العلم والكفاءة والنزاهة أساسًا في اختيار المسؤولين وصنع القرارات.

*السؤال الثالث والعشرون: ما الرسالة التي توجهونها إلى الشباب؟

أقول للشباب: لا تنتظروا الظروف المثالية، بل ابدأوا بما هو متاح، وطوروا أنفسكم باستمرار. تعلموا اللغات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لكن لا تسمحوا للأدوات بأن تفكر بدلًا منكم.
استخدموا المعرفة لصناعة الفرص، ولا تجعلوا الشهادة نهاية التعلم. حافظوا على أخلاقكم وهويتكم، وكونوا منفتحين على العالم، وابحثوا عن النجاح، لكن لا تنسوا مجتمعكم ومنطقتكم.
قد تكون الظروف صعبة، لكن الإنسان الذي يمتلك العلم والإرادة والقدرة على التكيف يستطيع أن يفتح لنفسه طريقًا، وأن يترك أثرًا في الآخرين.

*السؤال الرابع والعشرون: ما الحكمة التي تؤمنون بها؟

أؤمن بأن «قيمة العلم بما ينفع الناس، وقيمة الإنسان بالأثر الطيب الذي يتركه بعده».
فالمناصب مؤقتة، والألقاب لا تكفي وحدها، أما الطالب الذي ساعدته، والباحث الذي دعمته، والمشروع الذي خدم الناس، والكلمة الطيبة التي زرعت الأمل في إنسان، فهي التي تبقى.
وأؤمن أيضًا بأن النجاح الحقيقي ليس أن تصل وحدك، بل أن تساعد الآخرين على الوصول معك.

## ما هو مركز العزم لأبحاث البيوتكنولوجيا؟

مركز العزم لأبحاث البيوتكنولوجيا هو مركز بحثي تابع للمعهد العالي للدكتوراه في العلوم والتكنولوجيا في الجامعة اللبنانية، وأتولى إدارته منذ عام 2009.

يهدف المركز إلى دعم البحث العلمي المتقدم، وتوفير بيئة أكاديمية حاضنة للباحثين وطلاب الدكتوراه، وتشجيع التعاون بين الاختصاصات العلمية المختلفة.

ويضم المركز ستة أقسام رئيسية، هي:

1. قسم التقنيات الطبية.
2. قسم الميكروبيولوجيا.
3. قسم البيوتكنولوجيا.
4. قسم المعلوماتية والإنفورماتيك.
5. قسم الفيزياء.
6. قسم الاتصالات.

ويتيح هذا التنوع تنفيذ أبحاث علمية مشتركة ومتعددة الاختصاصات، تجمع بين العلوم الطبية والبيولوجية والتكنولوجية والمعلوماتية والفيزيائية وهندسة الاتصالات.

كما يساهم قسم الاتصالات في الأبحاث المتعلقة بالشبكات، ونقل البيانات، والاتصالات اللاسلكية، وإنترنت الأشياء، وربط الحساسات والأجهزة الطبية والأنظمة الذكية، بما يدعم التطبيقات الحديثة في الصحة والزراعة والبيئة والصناعة.

ويؤدي المركز دورًا مهمًا في احتضان الأبحاث والمشاريع العلمية، والإشراف على أطروحات الدكتوراه، وتنمية التعاون مع الجامعات ومراكز الأبحاث في لبنان والخارج، والمساهمة في تحويل الأفكار والنتائج البحثية إلى تطبيقات عملية يمكن أن تخدم القطاعات الصحية والبيئية والزراعية والتكنولوجية، والمجتمع بصورة عامة.

ولا يقتصر دور المركز على إنتاج الأبحاث العلمية ونشرها، بل يسعى أيضًا إلى بناء قدرات الباحثين الشباب، وتكوين جيل قادر على العمل ضمن فرق متعددة الاختصاصات، واستخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي والاتصالات والأنظمة الذكية في معالجة مشكلات حقيقية.

## لماذا سُمّي «مركز العزم»؟

حمل المركز اسم «العزم» تقديرًا لجمعية العزم والسعادة الاجتماعية، التي ساهمت في تأسيس المركز ودعم انطلاقته داخل الجامعة اللبنانية، إيمانًا منها بأهمية الاستثمار في التعليم العالي والبحث العلمي ودورهما في خدمة الإنسان والمجتمع.

وقد شكّل هذا الدعم نموذجًا للتعاون المثمر بين الجامعة اللبنانية ومؤسسات المجتمع، وساهم في توفير بيئة علمية تستقطب الباحثين وطلاب الدكتوراه، وتساعدهم على تنفيذ أبحاث متقدمة وبناء شراكات علمية محلية ودولية.

شاهد أيضاً

تراتيل الغياب

د. لورانس نعمة الله عجاقة علّمتني الحياة أن الجميع يرحلون، لكنهم لا يحملون جواز سفرٍ …