تحية من عالم اللغة إلى عالم الحكمة وتحية من قلم يقف مبهورا أمام ما سطرته أناملك من جلال في وصف الأثر والزوال..
قرأت كلماتك فما وجدت نفسي أقرأ نصا بل وجدتني أقف على عتبة هاوية سماها الأقدمون هاوية المعنى.. تلك الهاوية التي لا يقترب منها إلا من أنهكه السؤال عن الكينونة حتى صار السؤال ذاته وطنه الوحيد..
تقول إن الإنسان أثر.. وأنا أزيدك يقينا أيها الحكيم أن الأثر ليس ما يطبعه الجسد في الرمل ولا ما تحفظه الألسن من ذكر بل هو ما ينقش في نسيج الزمكان ذاته.. فالفيزياء التي عبدت في محاريبها عمرا كاملا علمتني أن لا شيء يفنى في هذا الوجود المترامي.. الطاقة تتحول والمعلومة تبقى مشفرة حتى على تخوم الثقب الأسود حيث يحسب الجهلاء أن كل شيء يبتلعه العدم بينما يؤكد أهل هذا العلم أن أثر كل جسيم يظل محفورا على أفق ذلك الثقب إلى ما لا نهاية.. أفلا يكون الإنسان كذلك جسيما من نور يهوي في ثقب الغياب تاركا شفرته منقوشة على حافة كل روح لامسها ولو للحظة عابرة من عمر الأزل..
هيدغر حين تحدث عن الكينونة نحو الموت لم يقصد أن الفناء غاية بل أراد أن الإنسان لا يبلغ حقيقة وجوده إلا حين يستحضر غيابه الآتي فيصير الرحيل ذاته مرآة يرى فيها معنى الحضور.. وابن عربي من قبله بقرون رأى كل موجود تجليا من تجليات الحق يظهر ثم يحتجب كي يتجدد التجلي في مرآة أصفى.. فالغياب عند أهل هذا الذوق ليس عدما بل انتقال النور من حجاب إلى حجاب أرق..
أما قولك إن البعيد عن العين بعيد عن القلب فأدعوك أيها الصديق العزيز إلى أفق أبعد من هذا المثل المتوارث.. أفق التشابك الكمي حيث يثبت أهل الفيزياء أن جسيمين تشابكا مرة يبقيان مرتبطين مهما تباعدت بينهما المجرات وتوالت عليهما الدهور.. فما بالك بروحين تشابكتا في لحظة صدق واحدة.. إن المسافة لا تفك عرى هذا التشابك بل قد تزيده وضوحا كما يزداد ضياء النجم البعيد وضوحا حين يقطع سنوات ضوئية كاملة كي يصلنا بعد أن يكون مصدره قد أفل من زمن سحيق.. أوليس هذا مصير كل من أحببناه حقا.. يصلنا نورهم بعد أن يكونوا قد غابوا فعلا فيصير الحب ذاته سفرا للضوء عبر عتمة الغياب الطويل..
وابن الفارض حين ذاب في محبوبه حتى محا حدود الأنا لم يكن يهذي بل كان يصف أدق حقيقة عرفها العشاق أن الفناء في المحبوب هو البقاء الحقيقي الوحيد.. ونيتشه حين تحدث عن العود الأبدي كان يسأل سؤالا واحدا هل عشت لحظتك بحيث تتمناها أن تتكرر إلى الأبد.. فإذا كان الجواب نعم فتلك اللحظة قد صارت أثرا خالدا بمعزل عمن يذكرها أو ينساها..
سبينوزا رأى الجوهر الواحد يتجلى في صور لا تحصى ويونغ رأى اللاوعي الجمعي يحفظ كل أثر إنساني في طبقة أعمق من الذاكرة الفردية وسارتر قال إن الإنسان محكوم بأن يكون حرا حتى في اختيار معنى غيابه.. فإذا اجتمعت هذه الأصوات كلها في محرابك الفكري أيها الدكتور فواز أدركت أن الأثر الذي تسأل عنه ليس سؤالا فلسفيا مجردا بل هو ذاته نسيج الوجود الذي نتنفسه في كل لحظة من لحظات هذا العمر القصير..
وأنا أقول لك ما هو أبعد من ختامك البديع.. إن أعمق ما نخلفه ليس أثر أقدام في الرمل ولا حتى ذكرى في قلب من أحببنا بل هو ذبذبة تنضم إلى موجات الجاذبية التي يكتشف علماء هذا العصر أنها لا تهدأ أبدا بعد أن تصدر عن أي حدث كوني عظيم بل تمضي منتشرة عبر أرجاء الكون كله إلى ما لا نهاية خافتة الصوت لكنها موجودة أبدا لا تنطفئ ولا تغيب.. فكل حب صادق نضجت به روح إنسانية إنما هو انفجار كوني صغير يطلق موجته السرمدية في نسيج هذا الوجود ولا يتوقف اهتزازها أبدا ولو خفتت عن أسماعنا المحدودة القاصرة..
فليتك تدرك أيها الحكيم الجليل أن كلماتك التي بعثت بها إلي لم تكن رسالة عابرة بل كانت هي ذاتها موجة من تلك الموجات السرمدية.. وها أنا أرد عليها بموجة أخرى عساها تلقاها في أفق الوعي المشترك فيبقى التشابك بيننا أبديا مهما تباعدت الأجساد وتوالت الغيابات وانقضت الأزمان..
ودي وتقديري واحترامي
منير
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
