
بقلم: أمين السكافي
في لبنان، ليست كل الاجتماعات تُقرأ بعدد الحاضرين، بل بما تثيره من ردود فعل. وأحيانًا، تصبح الكلمات التي تُقال خارج الاجتماع أكثر أهمية من الاجتماع نفسه. وهذا ما حدث مع اللقاء الذي جمع عددًا من النواب السنّة، والذي ما إن انتهى حتى تحوّل إلى مادة سجال سياسي، بعدما اختار رئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، أن يهاجم المجتمعين بعبارات حادة أثارت استياءً واسعًا، ودفعت كثيرين إلى التساؤل: لماذا كل هذا الانفعال؟ ولماذا بدا وكأن مجرد اجتماع لنواب من طائفة واحدة استدعى هذا القدر من التصعيد؟
في الظاهر، كان اللقاء محاولة لتنسيق المواقف بعد السجال الذي رافق ملف العفو العام، ولإعادة فتح باب التشاور بين نواب تفرقت بهم الاتجاهات السياسية منذ سنوات. لكن في السياسة اللبنانية، لا تُقرأ الأحداث بظاهرها فقط، بل بما يمكن أن تؤسس له في المستقبل.
منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، ثم بعد تعليق الرئيس سعد الحريري عمله السياسي، دخلت الساحة السنية مرحلة غير مسبوقة من التشتت. لم يعد هناك مركز قرار واحد، ولا مرجعية سياسية قادرة على جمع المختلفين تحت سقف واحد. توزعت الأدوار، وتعددت المرجعيات، وأصبح كل نائب يمثل نفسه أكثر مما يمثل مشروعًا سياسيًا جامعًا.
هذا الواقع لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل أعاد رسم التوازنات داخل النظام اللبناني. فكلما ازداد التشتت داخل أي مكوّن، ازدادت قدرة القوى الأخرى على التفاوض معه من موقع القوة. أما إذا عاد هذا المكوّن إلى الحد الأدنى من التنسيق، فإن ميزان القوى يتغير تلقائيًا، حتى لو لم يتغير عدد النواب.
من هنا، يمكن فهم الحساسية التي أحاطت باللقاء.
لم يكن الاجتماع، في حد ذاته، إعلانًا عن ولادة قيادة سنية جديدة، ولا عن تكتل سياسي موحد، لكن مجرد اجتماع هذا العدد من النواب حول طاولة واحدة حمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن مرحلة التشتت المطلق قد لا تكون قدرًا دائمًا، وأن هناك من يحاول إعادة بناء مساحة مشتركة للحوار والتنسيق.
في هذا السياق جاءت مواقف سمير جعجع.
لقد برر جعجع موقفه بالخلاف حول إدارة ملف العفو العام وما جرى داخل مجلس النواب، معتبراً أن الأداء النيابي في تلك الجلسة كان مسؤولًا عن تعثر الملف. هذا هو الموقف المعلن، وهو جزء من السجال السياسي المشروع.
لكن السياسة لا تكتفي دائمًا بالشرح المعلن، بل تدفع إلى البحث في الدوافع الأعمق.
القراءة الأولى تقول إن جعجع كان يخاطب جمهوره المسيحي، محاولًا التأكيد أنه لا يساوم في الملفات التي تثير حساسية داخل الشارع المسيحي، وأنه يريد الظهور بموقع المعارض الصلب لأي تسوية يعتبرها غير مدروسة أو غير متوازنة.
أما القراءة الثانية، وهي الأكثر تداولًا بين عدد من المراقبين، فترى أن اعتراض جعجع لم يكن على الاجتماع بحد ذاته، بل على الرسالة التي يمكن أن ينتجها. فالقوات اللبنانية، كما سائر القوى السياسية، تدرك أن عودة الحد الأدنى من التنسيق بين النواب السنّة قد تؤدي، مع مرور الوقت، إلى نشوء مرجعية سياسية جديدة، أو على الأقل إلى كتلة أكثر تماسكًا في التفاوض حول الاستحقاقات الوطنية. وإذا صح هذا التقدير، فإن انتقاد الاجتماع يصبح جزءًا من الصراع على موازين القوى، لا مجرد خلاف على جلسة تشريعية.
وهناك قراءة ثالثة لا تقل أهمية، وهي أن جعجع أراد توجيه رسالة إلى القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف اللبناني، مفادها أن القوات اللبنانية ما زالت لاعبًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه في أي إعادة ترتيب للمشهد الداخلي، وأنها لن تقف متفرجة أمام أي اصطفافات جديدة قد تعيد رسم التوازنات.
ولا يمكن إغفال عامل اللغة. ففي الحياة السياسية، قد يكون الاعتراض على فكرة أمرًا طبيعيًا، لكن اختيار المفردات يحدد ما إذا كان النقاش سيبقى سياسيًا أم سيتحول إلى أزمة. لذلك، لم يكن الاعتراض الأساسي على حق جعجع في انتقاد الاجتماع أو النواب، بل على العبارات التي استخدمها، والتي رأى كثيرون أنها تجاوزت حدود النقد السياسي إلى توصيفات اعتُبرت مسيئة، فاستدعت ردودًا غاضبة من عدد من النواب والشخصيات السنية.
غير أن السؤال الأهم يبقى: هل كان لقاء النواب السنّة حدثًا عابرًا، أم بداية مسار جديد؟
الإجابة لا تزال معلقة. فالخلافات بين النواب السنّة لا تزال كبيرة، وانتماءاتهم السياسية متباعدة، ومن المبكر الحديث عن ولادة قيادة موحدة أو إطار سياسي جامع. لكن المؤكد أن مجرد انعقاد اللقاء أعاد إلى الواجهة قضية غابت طويلًا، وهي قضية المرجعية السنية في لبنان.
ولعل هذا هو السبب الحقيقي الذي جعل اجتماعًا عاديًا يتحول إلى قضية وطنية، وجعل التعليقات عليه تتجاوز حجم الحدث نفسه.
في لبنان، ليست السياسة مجرد صراع على المقاعد، بل هي أيضًا صراع على من يملك حق تمثيل الطوائف، ومن يملك حق التحدث باسمها، ومن يملك القدرة على التأثير في توازنات النظام. ومن هنا، قد يكون لقاء النواب السنّة مجرد اجتماع في الشكل، لكنه في الجوهر أعاد فتح أحد أكثر ملفات الجمهورية اللبنانية حساسية: ملف المرجعيات الغائبة، والتوازنات التي يعاد رسمها كلما تغيرت موازين القوى .
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net