علي أ. فقيه
“زياد تحوّل من ولد ملك بيّ اسمو عاصي وأم إسما فيروز لفنان كبير…”، هكذا وصفت السيدة فيروز ابنها البكر في إحدى مقابلاتها، حيث يعود للواجهة مع اقتراب الذكرى السنويّة الأولى لرحيله.
زياد وفيروز
بالنسبة إليّ زياد ليس مجرد فنان، بل هو مُفكر سابق لعصره. لم أعاشره لصغر سنيّ، إلاّ أنّ فنه لامس الواقع الذي يعيشه المجتمع فقد عبّر عن واقع المشاكل الزوجيّة والاقتصادية والاجتماعية التي تكاد لا يخلو منها بيت. تفرّد زياد بهذا الأسلوب آخذًا بيده السيدة فيروز بعيدًا عن العالم الورديّ وحياة القرية والخجل الذي اعتادت عليه مع الأخوين الرحباني والعديد من الفنانين مثل فيلمون وهبي، وزكي ناصيف، ومحمد عبد الوهاب وغيرهم، مُسطرًا مرحلة جديدة من الفن لا مكان فيها للأحلام الوردية والسهرات التقليدية وإسطورة الوطن الذي يحبه أبنائه كـ”وطن للسلام” حيث رأى الناس في السيدة فيروز التمرد على العادات والتقليد، تلك الفتاة الجريئة التي تقول “ضاق خلقي يا صبي” و”مش فرقة معاي” هي نفسها الفتاة التي كانت تقول في يوم من الأيام “تعبانة وبدي حاكيك” و”حبيتك بالصيف…حبيتك بالشتي”، إضافة إلى ذلك أدخل زياد الرحباني العديد من الأنواع والأساليب الموسيقية مثل الجاز الشرقي والمونولوغ التي كانت نادرا ما تستخدم في العالم العربي.
لاقت هذه المرحلة العديد من الانتقاد كان أولها عند صدور ألبوم “معرفتي فيك” الذي نعاه العديد من الصحفيين والنقاد بسبب ركاكة الكلمات وابتعاده عن الجو الرحباني الكلاسيكي، وعلى وجه الخصوص أغنية “عودك رنان” التي حاول العديد من الناس إعطائها لونًا طائفيًا وحزبيًا رغم نفيّ زياد هذه الرواية في مقابلة له مع الإعلامية ديما صادق العام 2018 وتأكيده أنها مستوحاة من محبته للبزق، تلك الآلة الموسيقية الكردية. ومع ذلك لاقى انتشارا واسعًا ومحبة الفيروزيين، فأصبحت “لبيروت” النشيد الوطني للعاصمة الأبيّة، و”رح نبقى سوى” النشيد الوطني اللبناني البديل. ولم تسلم أغنية “كيفك إنت” من الانتقادات هي الأخرى، منهم من نسب الكلام لفيروز، والذي تبيّن أخيراً أنه لصديقة زياد، ومنهم من انتقد الأغنية نفسها خاصّة “مَلا أنت”، واستمر الجدل حتى وصل لـ “سلملي عليه” التي زعم العديد أنها “تلميحات” فيروز لإبنها “هلي”، والتي نفتها ريما، مُعتبرة أن زياد لا يمكن أن يتاجر بمرض أخيه الأصغر.
زياد بلا ولا شي
لم يقتصر عمله على التعاون مع والدته الذي حقق نجاحات مُبهرة على الصعيدين العربي والعالمي، فقد تفرّد بمجموعة من الأعمال الأيقونيّة التي كانت تحمل طابعا ساخرًا بما يتعلق بالوضعين الاقتصادي والاجتماعي كان منها “شو هل الأيام” و”تلفن عياش” و”أنا مش كافر” وأخرى كان فيها المنبر للآلات، كانت وحدها الموسيقى أجمل من الكلمات في التعبير فـ “مقدمة ميس الريم” أيقونة لا زالت ببال اللبنانيين تُذكرهم بأيام الضيعة… والحب وما أكثر ما كتب زياد عن الحب… “بلا ولا شي”، “عندي ثقة فيك”، “صباح ومسا”، هذا الحب الذي أراده زياد ولم ينله.
أنا وأبي
كان زياد معجبًا بفكر والده والذي عبّر عنه في العديد من تصريحاته، ربما كان “قاسيا” مع فيروز، لكن من جهة أخرى كان يدعم زياد كثيرًا في مشروعه الفنّي، وأفاد زياد في إحدى مقابلاته أنّ عاصي لم يكن يغضب منه عندما يترك دراسته لصالح شغفه الفنّي، بل كان يشجعه على الكتابة والتلحين. فرائعة “أديش كان في ناس” لحنّها زياد وأكمل كلماتها عاصي، وأغنية “البوسطة” فلشدة اعجاب عاصي بها اشتراها من زياد بـ 500 ليرة آنذاك. وقد ظلّت العلاقة مبنيّة على الاحترام والتقدير رغم الخلافات السياسيّة والفكرية التي واجهت العائلة وزياد إلاّ أنّه ظلّ يعتبره مثاله الأعلى في حياته، فجاء ألبوم “إلى عاصي” تحية من صوت فيروز وكلمات الأخوين الرحباني وتلحين واعادة توزيع العبقري زياد تقديرًا لمسيرة عاصي الفنيّة.
…وريما
لطالما كانت علاقة زياد بأخته ريما مثيرة للجدل التي ظهرت للعلن بعد تصريحات زياد في مقابلاته من أن فيروز معجبة بالعديد من الشخصيات السياسية ومنغمسة بالفكر الشيوعي هذا. حيث نفت ريما كلّ هذه الادعاءات واصفة إياها بـ “تركيبات زيادية بحتة” ولا أساس لها. كما اتسع الشرخ عند اعلان فيروز وريما إطلاق ألبوم “ببالي” العام 2017 دون الاستعانة بزياد الذي وصف الألبوم بالفاشل، مستنكرا موافقة فيروز على هذا الكلام، وأضاف أن الألبوم لم ينل حقه من السباب والشتيمة من قبل الناس. واستمرت العلاقة على هذه الحال إلى أن أعلن عن الصلح بصورة مُعبرة لكليهما نشرتها ريما العام 2019 وظلّت العلاقة جيدة حتى وفاته التي تركت أثرًا في قلبها، حيث أكدت ريما في منشور لها على “فايسبوك” أنها لا تحب زياد بل تعبده.!”.
رحلَ زياد الرحباني تاركا ورائه روائع فنية وعبارات لا زالت على البال، عاشها بكل ما في الكلمة من معنى، زياد لم يكتب لنا أحلامه وتصوراته في الحياة، بل أوضح لنا الواقع من نظرة لا طائفية ولا حزبية ولا تبعية، بل من نظرة ابن المجتمع الذي عانى ويعاني وظلّ يعاني بسبب “عيّاش” نفسه الذي يأخذ الشكل واللون نفسه بيننا لكن باسم مختلف، وعلى الرغم من ذلك نتمسك به ونقول: “بالنسبة لبكرا شو” على أمل… “وداعا زياد صوت الشعب… وداعا زياد العبقري…” كلهم قالوا الجملة نفسها في عزائك لكنهم ليسوا مستعدين لـ “تزبيط” أفكارهم.
ربما رحل… لكن بعدك عَ البال يا زياد وستظل.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
