د. بسام أبو عبد الله .
22 تموز/يوليو 2026
لم يعد التحول في موازين القوى الدولية يقتصر على انتقال الثقل الاقتصادي أو العسكري من الغرب إلى الشرق، بل بات يشمل انتقالاً تدريجياً في إنتاج المعرفة والنظريات التي تفسر العلاقات الدولية. فبعد أكثر من خمسة قرون من الهيمنة الغربية على الفكر السياسي والاستراتيجي، بدأت الصين، مع صعودها الاقتصادي والسياسي والعسكري، تقدم أيضاً رؤيتها الفكرية الخاصة للنظام الدولي، مستندة إلى إرث حضاري يمتد لآلاف السنين.
ولذلك، فإن فهم الصين المعاصرة لا يمكن أن يقتصر على متابعة معدلات نموها الاقتصادي، أو قدراتها العسكرية، أو توسعها التكنولوجي، بل يتطلب فهماً أعمق للفلسفة التي تحكم رؤيتها للعالم، وللطريقة التي تنظر بها إلى القوة، والقيادة، والدولة، والعلاقات بين الأمم.
ويبرز في هذا السياق اسم البروفيسور يان شيويتونغ (Yan Xuetong)، أحد أبرز منظري العلاقات الدولية في الصين، وصاحب نظرية “الواقعية الأخلاقية” (Moral Realism)، التي تمثل، في نظر كثير من الباحثين، أهم محاولة صينية لبناء مدرسة مستقلة في العلاقات الدولية، لا تنطلق من تقليد الفكر الغربي ، بل من إعادة قراءة التراث السياسي الصيني القديم وتوظيفه في تفسير العالم المعاصر.
ولا تكمن أهمية هذه النظرية في بعدها الأكاديمي فحسب، بل في أنها أصبحت، بدرجات متفاوتة، أحد الأطر الفكرية التي تؤثر في فهم السياسة الخارجية الصينية وفي تفسير سلوك الصين كقوة عظمى صاعدة.
أولا” – لماذا تحتاج الصين إلى نظرية خاصة بها؟
طوال القرن العشرين، بقيت معظم نظريات العلاقات الدولية أمريكية أو أوروبية المنشأ، سواء الواقعية، أو الليبرالية، أو البنائية، أو غيرها من المدارس الفكرية.
وحتى الباحثون الآسيويون كانوا غالباً يستخدمون الأدوات المفاهيمية الغربية لتحليل قضاياهم.
غير أن الصين، مع تحولها إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ثم إلى منافس استراتيجي للولايات المتحدة، بدأت تطرح سؤالاً بالغ الأهمية : هل يمكن لدولة تمتلك حضارة تمتد لأكثر من خمسة آلاف عام أن تفسر العالم فقط من خلال نظريات أنتجتها أوروبا والولايات المتحدة؟
كان جواب يان شيويتونغ واضحاً: لا.
ومن هنا جاءت دعوته إلى تأسيس مدرسة صينية في العلاقات الدولية، تستند إلى الخبرة الحضارية الصينية، لا إلى مجرد ترجمة أو تكرار للنظريات الغربية.
ثانيا” – يان شيويتونغ… أحد أبرز العقول الاستراتيجية في الصين .
يعد يان شيويتونغ من أهم علماء العلاقات الدولية في الصين، وأستاذاً في جامعة تسينغهوا في بكين، إحدى أعرق الجامعات الصينية وأكثرها تأثيراً في صناعة النخب السياسية والفكرية ، وكرس جانباً كبيراً من إنتاجه العلمي لإثبات أن الفكر السياسي الصيني القديم لا يمثل مجرد تراث تاريخي، وإنما يمكن أن يشكل أساساً لنظرية معاصرة في العلاقات الدولية.
ومن أشهر مؤلفاته:
Ancient Chinese Thought, Modern Chinese Power (2011)، الذي ترجم إلى العربية بعنوان «الفكر الصيني القديم والقوة الصينية المعاصرة»، وفيه يبين كيف يمكن توظيف التراث السياسي الصيني لبناء نظرية حديثة للقوة.
Leadership and the Rise of Great Powers (2020)، القيادة و صعود القوى العظمى – الذي يركز فيه على دور القيادة السياسية في صعود القوى العظمى، ويرى أن التاريخ لا تصنعه الموارد وحدها، بل تصنعه أيضاً جودة القيادة وقدرتها على اكتساب الشرعية والثقة.
ثالثا” – الواقعية الغربية… فلسفة القوة المجردة !!!
لفهم ما يطرحه يان شيويتونغ، لا بد أولاً من التعرف إلى المدرسة التي يناقشها وينتقدها.
بدأت الواقعية الحديثة مع المفكر الألماني الأمريكي هانز مورغنثاو (Hans J. Morgenthau)، الذي يعد الأب المؤسس للواقعية الكلاسيكية. وقد انطلق من رؤية متأثرة بالفكر التاريخي لتوسيديدس، ونيكولو مكيافيلي، وتوماس هوبز، ورأى أن الإنسان يسعى بطبيعته إلى القوة، وأن الدولة ليست سوى امتداد لهذه الطبيعة البشرية ، ومن هنا فإن السياسة الدولية ليست سوى صراع دائم على القوة والمصلحة، وأن الأخلاق، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن حماية المصالح الوطنية ، وفي سبعينيات القرن الماضي، طور كينيث والتز (Kenneth Waltz) هذه المدرسة فيما عرف بـ”الواقعية الجديدة” أو “الواقعية البنيوية” ، وانتقل بالتفسير من طبيعة الإنسان إلى طبيعة النظام الدولي، معتبراً أن الفوضى البنيوية للنظام الدولي، وغياب سلطة عليا فوق الدول، هما اللذان يدفعان الدول إلى السعي الدائم لتعظيم قوتها وضمان أمنها.
ثم جاء منظرون آخرون، مثل جون ميرشايمر (John Mearsheimer)، الذي طور مفهوم “الواقعية الهجومية”، معتبراً أن القوى الكبرى لا تكتفي بالحفاظ على توازن القوى، بل تسعى باستمرار إلى تعظيم نفوذها الإقليمي والدولي.
ورغم اختلاف هؤلاء المفكرين في التفاصيل، فإنهم يجتمعون على فكرة مركزية: القوة هي العنصر الحاسم في السياسة الدولية، أما الأخلاق فتظل عاملاً ثانوياً يخضع في النهاية للمصلحة الوطنية.
رابعا” – العودة إلى الجذور الحضارية الصينية – هنا يبدأ الاختلاف الحقيقي !!!
بدلاً من الانطلاق من هوبز أو مكيافيلي، عاد يان شيويتونغ إلى التراث السياسي الصيني، وخاصة إلى مفكري عصر الممالك المتحاربة (475-221 ق.م)، وهي المرحلة التي شهدت تنافساً سياسياً وعسكرياً واسعاً، وأنتجت معظم المدارس الفلسفية الصينية الكبرى ، وكان من أبرز مصادره الفيلسوف شون تسي (Xunzi)، الذي رأى أن الإنسان يحتاج إلى التربية والنظام والأخلاق حتى تصبح الدولة مستقرة، وأن القيادة الرشيدة هي أساس النظام السياسي ، كما استفاد من التراث الكونفوشي الذي يربط بين الفضيلة والشرعية، ويرى أن الحاكم لا يحتفظ بشرعيته بالقوة وحدها، بل بقدرته على تحقيق العدالة والانسجام وكسب ثقة المجتمع.
وفي هذا السياق، أعاد يان قراءة مفهومين أساسيين في الفكر السياسي الصيني القديم :
١ – “وانغ” (王 – Wang)، أي السلطة الإنسانية أو الملكية الفاضلة، وهي قيادة تستند إلى الفضيلة والعدالة، وتجذب الآخرين بالثقة والقدوة أكثر مما تفرض نفسها بالإكراه.
٢ – “با” (霸 – Ba)، أي الهيمنة، التي تعتمد على التفوق العسكري والإكراه والردع، لكنها تظل أقل استقراراً وأكثر عرضة للتآكل.
ويرى – يان – أن الدولة التي تجمع بين القوة والفضيلة تمتلك قدرة أكبر على بناء نظام دولي مستقر من الدولة التي تعتمد على القوة وحدها.
خامسا” – الواقعية الأخلاقية… إعادة تعريف القوة :
لا تدعو الواقعية الأخلاقية إلى إلغاء مفهوم القوة، ولا تمثل خروجاً على المدرسة الواقعية، بل تسعى إلى تطويرها ، فالقوة، في تصور يان، لا تتكون فقط من الجيش والاقتصاد والتكنولوجيا، وإنما تشمل أيضاً عناصر غير مادية مثل : المصداقية ، الشرعية ، جودة القيادة ،
احترام الالتزامات ، القدرة على بناء الثقة مع الحلفاء والشركاء ، وبذلك تصبح الأخلاق، في المفهوم الصيني، ليست نقيضاً للمصلحة، وإنما أحد أهم موارد القوة الاستراتيجية طويلة الأجل.
سادسا” – الشخصية القيادية في الفكر السياسي الصين :
لا تقتصر الواقعية الأخلاقية عند يان شيويتونغ على إعادة تعريف القوة، بل تمتد إلى إعادة تعريف القائد نفسه. فالقيادة، في التراث السياسي الصيني، ليست امتيازاً يمنحه المنصب، وإنما مسؤولية أخلاقية تفرض على صاحبها أن يكون نموذجاً يحتذى به داخل الدولة وخارجها ولذلك، فإن شرعية القيادة لا تُبنى على امتلاك أدوات القوة وحدها، بل على السلوك الشخصي والقدرة على تجسيد القيم التي تدعو إليها الدولة ، ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يتحلى القائد بمجموعة من الصفات، من أبرزها: النزاهة والاستقامة ، الانضباط الذاتي ، الجدية في العمل، الشعور العميق بالمسؤولية، التواضع، الوفاء بالالتزامات، احترام المؤسسة والقانون، الارتباط بالأسرة بوصفها نواة الاستقرار الاجتماعي، والقدرة على تقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية ، ولا تُعد هذه الصفات قيماً أخلاقية مجردة، بل ينظر إليها بوصفها جزءاً من عناصر القوة الوطنية، لأنها تعزز الثقة بين القيادة والشعب، وتمنح الدولة مصداقية أكبر في علاقاتها الخارجية.
على المستوى الدولي، تنعكس هذه الرؤية في التأكيد على احترام سيادة الدول، ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، واحترام خصوصياتها الثقافية والحضارية والدينية، والالتزام بالوعود والاتفاقيات، والبحث عن المصالح المشتركة بدلاً من فرض الإرادة بالقوة ، ومن ثم فإن القيادة الأخلاقية، في التصور الصيني، لا تسعى إلى بناء النفوذ عبر الإكراه، بل عبر اكتساب الثقة وتعزيز الشرعية، وهو ما يجعل الأخلاق مورداً استراتيجياً من موارد القوة، لا مجرد قيمة مثالية منفصلة عن السياسة .
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
