بقلم الشيخ حسن حماده العاملي
تمهيدًا لاستقبال ملايين الزائرين، وعلى أعتاب الأربعينية المقدسة، يقيم العراقيون المواكب الحسينية على امتداد الأراضي العراقية، وعلى جميع الطرقات الرئيسة والفرعية التي يسلكها الوافدون إلى كربلاء، في سبيل تقديم أرقى الخدمات، وتجسيد أسمى معاني الضيافة والإيثار والإكرام. وما إن تطأ أقدام الزائر أرض العراق حتى يشعر بأنه بين أهله وإخوته، حيث تتسابق القلوب قبل الأيدي إلى خدمته، وتتنافس النفوس في نيل شرف خدمة زائر الإمام الحسين عليه السلام.
ولعل العالم لم يشهد، في تاريخه القديم والحديث، تجمعًا بشريًا بهذا الحجم، يتجاوز عدد المشاركين فيه عشرين مليون زائر، يشدّون الرحال إلى قبلة الأحرار في كربلاء، في مشهد يجمع بين الإيمان والتنظيم والتكافل، ويستوقف كل من ينظر إليه بعين الإنصاف، مهما اختلفت ثقافته أو انتماؤه.
إن المواكب الحسينية ليست مجرد أماكن لتقديم الطعام والشراب، وإنما هي منظومة إنسانية متكاملة، يجد فيها الزائر كل ما يحتاج إليه؛ من الماء والطعام والفاكهة، إلى أماكن المبيت والاستراحة، والخدمات الطبية، وإصلاح الأحذية، وغسل الملابس، ووسائل النقل، وسائر ألوان الرعاية التي تُقدَّم بمحبة خالصة، ومن دون مقابل، ابتغاء مرضاة الله تعالى، وتشرّفًا بخدمة زائر أبي عبد الله الحسين عليه السلام.
ويبرز الكرم العراقي في هذه المناسبة بصورة استثنائية، حتى ليبدو العراق كله مضيفًا كبيرًا، وأهله أسرةً واحدة تحتضن ضيوف الحسين عليه السلام. فلا يُسأل الزائر عن جنسيته، ولا عن لغته، ولا عن مذهبه، وإنما يكفي أنه جاء قاصدًا كربلاء، ليحاط بكل مظاهر الحفاوة والتكريم، في مشهد يختزل أصالة هذا الشعب، ووفاءه لنهج الإمام الحسين عليه السلام.
ومن المشاهد المشرقة التي تستحق التأمل، ما يبذله العراقيون من جهود كبيرة في تهيئة الطرق قبل وصول الزائرين؛ فتُرمَّم الشوارع، وتُجدَّد دهانات الأرصفة، وتُصان أعمدة الإنارة، وتُرسم خطوط السير، وتُنظَّم حركة المرور، وتُهيَّأ المرافق العامة، لتكون الطرق آمنة ومهيأة لاستقبال هذه الحشود المليونية. إنها ورشة وطنية كبرى تتكاتف فيها جهود المواطنين والمتطوعين والجهات المعنية، ليظهر العراق في أبهى صورة وهو يستقبل ضيوف سيد الشهداء.
ولا يقل الاهتمام بالنظافة أهمية عن سائر الخدمات، إذ تنتشر فرق التنظيف والمتطوعون على امتداد الطرق، يعملون ليلًا ونهارًا للمحافظة على نظافة الشوارع والساحات وأماكن الخدمة، في مشهد حضاري يبعث على الإعجاب، ويؤكد أن خدمة الحسين عليه السلام تعني أيضًا احترام البيئة، والمحافظة على النظام، وإبراز الوجه المشرق للعراق أمام العالم.
أما التكافل الاجتماعي الذي تجسده زيارة الأربعين، فهو من أعظم الظواهر الإنسانية في عصرنا. فالمجتمع بأسره يتحول إلى خلية عمل واحدة؛ هذا يطبخ، وذاك يوزع، وآخر ينظف، ورابع يسقي الماء، وخامس يعالج المرضى، وسادس يهيئ أماكن الراحة، وكل واحد يرى في خدمة الزائر شرفًا يتقرب به إلى الله تعالى. إنها مدرسة عملية في الإيثار، تذيب الفوارق بين الناس، وتغرس في النفوس معاني الأخوة والمحبة والتراحم.
إن المواكب الحسينية في خدمة زوار الأربعينية ليست حدثًا موسميًا عابرًا، بل هي رسالة حضارية وأخلاقية وإنسانية، تقدم للعالم نموذجًا حيًا لمجتمعٍ يبني وحدته على العطاء، ويجعل من المحبة لغةً جامعة، ومن خدمة الإنسان سبيلًا إلى رضا الله تعالى. وهي شاهد متجدد على أن مدرسة الإمام الحسين عليه السلام ما زالت تصنع الإنسان، وتبني الضمير، وتحيي القيم التي يحتاج إليها عالم اليوم.
سلامٌ على العراق الذي يفتح قلبه قبل حدوده لاستقبال زوار الحسين عليه السلام، وسلامٌ على شعبه الكريم الذي حوّل الكرم إلى ثقافة، والإيثار إلى سلوك، والخدمة إلى عبادة، حتى غدت زيارة الأربعين أكبر تظاهرة إيمانية وإنسانية في العالم، وشاهدًا خالدًا على أن مبادئ الإمام الحسين عليه السلام لا تزال تنبض في ضمائر الملايين، وتُترجم كل عام إلى عطاءٍ لا ينضب، ومحبةٍ لا تعرف الحدود.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
