القاضــــــي/ حسين بن محمد المهدي. عضو رابطة علماء اليمن
{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّـهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ}
حين يتحدث التاريخُ عن اليمن، فإنما يتحدث عن مهد الحكمة وموطن الإيمان، الأرض التي ما انفكّ أبناؤها يبحثون عن الحق ويصونون الاستقلال بوعيٍ فِطريّ ورشدٍ إنسانيّ. وفي طليعة تلك الصفحات الغرّاء من تاريخ اليمن السعيد، تبرز ذكرى قدوم الإمام الهادي إلى الحق، يحيى بن الحسين بن القاسم (عليهم السلام)، تلبيةً لنداء أهل اليمن ومجاهديهم، ليضع اللبنة الأولى لعهدٍ امتد لأكثر من ألف عام، تلاحمت فيه الإمارة الإنسانية بالعدالة الربانية.
شخصيةُ الإمامِ.. سيفُ العدالةِ وقلمُ الإصلاح
لم يكن الإمام الهادي مجرد قائدٍ سياسي، وإنما كان مصلحاً اجتماعياً وعالماً جهبذاً تجسدت في سلوكه العملي أخلاق الإسلام الجليلة وحب كتاب الله وسنة نبيه وطهر عترته. لقد غدا اسمه مرادفاً لعلو الهمة والترفع عن متع الدنيا وسفاسفها، مقدماً نموذجاً حياً للقائد القدوة الذي يسير على هدي النبي المصطفى وشجاعة الإمام علي وسداده. وحين بايعه أهل اليمن، وعلى رأسهم أمراء صنعاء وقادة القبائل، فإنما بايعوا فيه العلم والحكمة والشجاعة، واختاروه مناراً يجمع شتاتهم ويربط أواصر الأخوة الإنسانية والإسلامية بينهم.
شهادةُ التاريخ وأئمةُ العلم
إن عظمة هذه المسيرة التاريخية لا تنحصر في المرويات المحلية، وإنما تؤكدها وتثبت عدالتها شهادات فطاحل علماء الأمة ومؤرخيها من مختلف المذاهب والمدارس؛ فمن إشارات الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري، وتوثيق العلامة محمد القرطبي في التعريف بالأنساب، إلى كتابات ابن عنبة في عمدة الطالب، والعمري في مسالك الأبصار، والإمام الذهبي في تاريخ الإسلام، وابن حزم الظاهري في جمهرة أنساب العرب. وكل هؤلاء الأعلام أجمعوا على تقى هذا الإمام ونزاهته وعدالته، واعتبروا دولته امتداداً لقيم الخلافة الراشدة القائمة على الشورى والحق.
وكما صرّح المؤرخ اليمني الكبير الأستاذ عبد الله عبد الوهاب الشماحي في سفره الإنسان والحضارة:
“لقد كان الهادي مثلاً لصفات القيادة والقدوة الحسنة… أسس مدرسة العدل والتوحيد والتزم في سيرته بالبحث عن الحق والأخذ به”.
الحكمةُ اليمانيةُ وحصنُ الاستقلال
إن استمرار دولة أئمة أهل البيت في اليمن لقرون طويلة يُحسب بحق لوعي أهل اليمن وحكمتهم الفائقة ومحافظتهم على وصية نبيهم في عترته. وقد أثمر هذا الخيار التاريخي الموفق صوناً لسيادة البلاد واستقلالها، فبينما كانت العواصم والأقطار تتهاوى تحت أقدام المستعمرين والغزاة عبر العصور، ظلت صنعاء حصناً منيعاً استعصى على الطغاة، بفضل الالتفاف اليماني حول راية شريعة الرشد والجهاد.
الاستمراريةُ والتكاملُ الحضاري
إن التحولات السياسية اللاحقة في التاريخ اليمني المعاصر، ومنها محطة السادس والعشرين من سبتمبر، لم تكن مواجهةً مع مكانة أهل البيت أو إرثهم الروحي والعلمي، وإنما كانت إرادةً لتطوير شكل النظام السياسي من الملكية إلى الجمهورية وتحقيق العدالة الاجتماعية. ويبدو هذا التكامل جلياً في أن جوهر الفكر الذي حمله الإمام الهادي ومن سار بسيرته من الأئمة الأعلام يرتكز بالأساس على رفض الظلم وإقامة القسط، وهي ذاتها القيم التي ينشدها الإنسان اليمني في كل زمان ومكان.
تجديد المسار ومواجهة الطغيان المعاصر
إن ذكرى الإمام الهادي إلى الحق ستظل مَفخرةً تخلّد التاريخ الإسلامي لليمن في صفحات الخلود، ومحطةً ملهمةً يستلهم منها أبناء اليمن اليوم قيم الوحدة، والاستقلال، والبحث عن الحق، والتآخي الإنساني، لتظل “الحكمة اليمانية” هي المدار الذي يلتقي عنده أهل الفضل والصلاح لبناء حاضرهم ومستقبلهم في ظل دين الكمال الذي جاء ليأخذ بيد الإنسانية نحو القوة والخير والكرامة.
وعلى هذا المنهاج النبوي الراسخ، يسير أبناء اليمن اليوم؛ حيث يبرز السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي ليجدد معالم هذا المسار العظيم الذي اختطه الإمام الهادي (عليه السلام)، رافعاً راية الجهاد في وجه الطغيان الصهيوني الذي يعتدي على الأمة الإسلامية ويحتل الأقصى الشريف. ومن هذا المنطلق، يقف يمن الإيمان والحكمة مسانداً لمحور المقاومة في لبنان والعراق، ومشدداً من أزر الجمهورية الإسلامية في إيران، ليمثل اليمنُ اليوم -كما كان في أَمسه- صمام أمان ونصرة للإسلام والمسلمين في مختلف العصور، وفي زمننا هذا على وجه الخصوص.
{وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
