كان حلمي وردة… لكن ربي عوّضني حديقة

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل

ثمة أمنياتٌ لا تمر في حياتنا مرور العابرين، بل تستوطن القلب حتى نظن أنها خُلقت لنا، وأن الحياة لن تكتمل إلا بها. نرسم لها ملامحها في الخيال، وننسج لها ثوبًا من الرجاء، ونرويها كل ليلة بدموع الدعاء، حتى تصبح أقرب إلينا من نبضات قلوبنا. وعندما تتأخر، نظن أن السماء قد أغلقت أبوابها، وننسى أن الله لا يغلق بابًا إلا ليفتح أبوابًا أعظم، ولا يؤخر عطاءً إلا لأن موعده الأجمل لم يحن بعد.
وكان لي حلم… لم يكن في قلبي سوى وردة واحدة؛ وردةٌ صغيرة، لكنها كانت في عيني بحجم الدنيا كلها. كنت أراها بداية الحكاية ونهايتها، وأحسب أن ربيع العمر لن يزهر إلا إذا تفتحت بين يديّ. نسجت لها من الخيال ثوبًا، وسقيتها من الدعاء حتى ارتوت روحي قبل أن ترتوي هي، وانتظرتها كما ينتظر الغريب رسالةً من وطنه، وكما تنتظر الأرض أول قطرة مطر بعد طول عطش. وكلما رفعت كفي إلى السماء، همست باسمها، وكلما تأخر موعدها، ازددت بها تعلقًا، حتى صارت أمنيتي أكبر من الواقع، وأوسع من حدود العقل، وأقرب إلى اليقين من أي شيء آخر.
لكن… مرت الفصول، وتعاقبت الأيام، ولم تأتِ الوردة، وجاء الصمت بدلًا منها. تسللت إلى القلب أسئلة كثيرة لا يسمعها إلا الله: لماذا لم يتحقق هذا الحلم؟ لماذا تأخر الجواب؟ أليست الدموع الصادقة لغةً تعرف طريقها إلى السماء؟ أليس الرجاء بابًا من أبواب الرحمة؟ كنت أظن أن الله أغلق بابًا في وجهي، ولم أكن أعلم أنه كان يغلقه لينقذني، لا ليحرمني. كنت أبكي على وردة، بينما كان الله يهيئ لي حديقة.
ولأن الإنسان لا يرى إلا ما يقع تحت بصره، فقد ظللت أحدق في الفراغ الذي تركته الوردة، ولم أنتبه إلى البذور التي كان الله يغرسها في أرض حياتي بصمت. كنت أعدّ ما فقدته، بينما كانت النعم تتكاثر حولي دون أن أشعر، وكنت أتشبث بما خرج من يدي، بينما كانت رحمة الله ترتب لي ما لم يخطر على بالي.
ثم مرت الأيام، وما أعجب الأيام حين تزيح الستار عن حكمة الله بعد أن يهدأ صخب القلب. التفتُّ إلى الوراء، فرأيت أن كل تأخير كان حماية، وكل انكسار كان تربية، وكل بابٍ أغلقه الله كان يحجب عني أذىً لم أكن أراه. رأيت أن بعض الأمنيات لو تحققت في وقتها، لأطفأت نورًا في حياتي، وأن بعض الأشخاص الذين تمسكت بهم كان رحيلهم بداية سلامي، وأن بعض الطرق التي تمنيت السير فيها كانت ستقودني إلى تعبٍ طويل.
حينها فقط أدركت أن الله لا يمنع عباده بخلًا، بل يمنع عنهم ما يؤذيهم، ولا يؤخر العطاء عجزًا، بل يهيئ لهم زمنًا يكون فيه الخير أكمل، والنعمة أوسع، والفرحة أصدق. لقد كنت أطلب وردة، وكان الله، بعلمه الذي لا يحده زمان ولا مكان، يرى أن قلبي يستحق حديقة كاملة. فالوردة، مهما فاح عطرها، لا بد أن يأتي عليها يومٌ تذبل فيه، أما الحديقة فتتجدد مع كل فصل، وتمنحك في كل صباح لونًا جديدًا، وعطرًا جديدًا، وأملًا جديدًا.
وهكذا هي عطايا الله؛ لا تأتي دائمًا بالصورة التي نرسمها، لكنها تأتي بالصورة التي تنقذنا. إننا ننظر إلى الحاضر، بينما ينظر الله إلى العمر كله. نحن نتمسك بغصن، وهو يريد أن يمنحنا بستانًا، ونبكي على نافذة أُغلقت، بينما هو يفتح لنا أبوابًا يدخل منها النور من كل الجهات. فسبحان من يعلم خفايا الغيب، ويختار لعباده ما تعجز عقولهم عن إدراك حكمته.
لقد علمتني الحياة أن أثق بالله أكثر مما أثق بخططي، وأن أطمئن إلى تدبيره أكثر مما أطمئن إلى حساباتي. فما خاب قلبٌ فوّض أمره إلى الله، وما ضاع إنسانٌ جعل يقينه أكبر من خوفه. ومنذ ذلك اليوم تبدل دعائي؛ لم أعد أقول: “يا رب أعطني ما أريد.” بل أصبحت أقول: “يا رب، إن كنت تعلم أن في هذه الأمنية خيرًا لي، فيسرها، وإن كان الخير في غيرها، فاصرف قلبي عنها، واختر لي ما يرضيك، ثم ارزقني الرضا بما اخترته.” وهنا فقط أدركت أن الطمأنينة ليست في أن تتحقق جميع الأحلام، بل في أن نوقن أن الله لا يختار لنا إلا الخير، وإن تأخر فهمنا لحكمته.
واليوم، عندما أتأمل الطريق الذي سلكته، لا أحزن على شيءٍ فاتني، بل أحمد الله على كل أمنية لم تتحقق، لأنها كانت تمهد الطريق لنعمةٍ أكبر، وأحمده على كل دمعة ذرفتها، لأنها كانت تسقي جذور الصبر في داخلي حتى أثمرت يقينًا لا تهزه الأيام. لقد اكتشفت أن الله لم يأخذ مني شيئًا إلا ليمنحني ما هو أجمل، ولم يؤخر عني الفرح إلا ليأتي به في اللحظة التي تصبح فيها روحي قادرة على احتضانه.
ولذلك، إذا سقط منك حلم، فلا تتهم القدر بالقسوة، وإذا تأخر عنك الفرج، فلا تظن أن الله نسيك. فلعل ما تتمسك به اليوم ليس إلا وردة، بينما يخبئ الله لك حديقة، ولعل ما تبكي على فقده الآن سيكون غدًا أول نعمة تحمد الله عليها. فلا تستعجل أقدار الله، فإن أجمل الأرزاق تلك التي تأتي بعد طول انتظار، وأعظم العطايا تلك التي لم نطلبها، لكنها جاءت لأن الله رأى أنها تليق بقلوبنا أكثر مما طلبناه لأنفسنا.
واليوم، كلما سألني أحدهم: ما أجمل درس تعلمته في الحياة؟ أبتسم، وأجيب بيقينٍ ملأ القلب قبل اللسان: كان حلمي وردة… لكن ربي عوّضني حديقة. فالحمد لله الذي لم يعطني دائمًا ما أردت، وأعطاني دائمًا ما احتجت، وكانت حكمته أرحم من أمنياتي، وكانت رحمته أوسع من أحلامي.

﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
صدق الله العظيم.

شاهد أيضاً

زلزال الردع يضرب المنطقة.. واشنطن وتل أبيب بين نار الصواريخ وشبح الهزيمة

الإعلامية جمانة كرم عياد الإثنين 2026/07/20 وضعية الحرب الحقيقية، كما وردت في مختلف وسائل الإعلام …