بقلم: أمين السكافي.
ليس مضيق هرمز مجرد ممر مائي ضيق يفصل بين اليابسة والبحر، بل هو أحد تلك الأماكن التي اختصر التاريخ فيها جغرافيا العالم، حتى غدا بضعة كيلومترات من المياه قادرة على أن تهز أسواق المال، وترفع أسعار النفط، وتستدعي الأساطيل، وتدفع العواصم الكبرى إلى إعادة حساباتها. فمن يسيطر على هرمز لا يتحكم بالملاحة وحدها، بل يضع يده، ولو مؤقتًا، على نبض الاقتصاد العالمي.
ولذلك، كلما ارتفع الدخان فوق هرمز، لم يكن الاحتراق محليًا، بل دوليًا. فالنيران التي تشتعل عند مدخل الخليج لا تبقى حبيسة مياهه، وإنما تمتد آثارها إلى المصانع في أوروبا، ومحطات الوقود في آسيا، وأسواق المال في نيويورك، وخطوط التجارة التي تربط القارات بعضها ببعض.
لم يكن هرمز يومًا ممرًا عاديًا. فمنذ أن اكتُشف النفط بكميات تجارية في الخليج، تحول هذا المضيق إلى شريان الطاقة الأول في العالم. تعبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر وإيران، ولذلك أصبح أمنه جزءًا من الأمن الاقتصادي العالمي، لا شأنًا إقليميًا فحسب.
ومن هنا يمكن فهم سبب الحضور العسكري الكثيف في تلك البقعة الصغيرة. الولايات المتحدة أبقت أساطيلها هناك منذ عقود، وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى تشارك في حماية الملاحة، فيما تنظر إيران إلى المضيق بوصفه جزءًا من أمنها القومي، وترى أن وجود القوات الأجنبية على مقربة من سواحلها يشكل تهديدًا دائمًا لها.
هكذا وُلدت معادلة الردع المتبادل؛ الغرب يريد إبقاء هرمز مفتوحًا بلا شروط، وإيران تؤكد، في أكثر من مناسبة، أن أمن المضيق لا يمكن فصله عن أمنها، وأنها تمتلك القدرة على التأثير في حركة الملاحة إذا تعرضت لضغوط وجودية. وبين هذين الموقفين، ظل هرمز طوال العقود الماضية أقرب إلى برميل بارود ينتظر شرارة.
والشرارة لا تأتي دائمًا من قرار بالحرب، بل قد تبدأ بحادثة بحرية، أو احتجاز ناقلة، أو ضربة عسكرية، أو تصعيد سياسي يخرج عن السيطرة. فالمنطقة علمتنا أن الحروب الكبرى كثيرًا ما تبدأ بخطأ صغير، ثم تتسع دائرتها حتى يعجز الجميع عن إيقافها.
أما اليوم، فإن عودة التوتر إلى هرمز لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع. فالشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تموضع، حيث تتداخل ملفات البرنامج النووي الإيراني، وأمن الخليج، والحرب في غزة، والصراعات الممتدة في اليمن ولبنان والعراق وسوريا، لتشكل شبكة واحدة من الأزمات، يكفي أن يُشد أحد خيوطها حتى تهتز بقية الخيوط.
أما الأسباب المباشرة للتصعيد، فهي ترتبط بتطورات عسكرية وسياسية متلاحقة رفعت مستوى التوتر في الخليج، وأعادت إلى الواجهة المخاوف من تهديد الملاحة الدولية. وهذه وقائع يمكن رصدها، أما تفسير نيات الأطراف وأهدافها النهائية فيبقى في إطار التحليل لا الحقيقة القطعية.
وتبرز هنا عدة فرضيات يتداولها المراقبون.
الفرضية الأولى تقول إن إيران تريد التذكير بأن أي ضغط عسكري أو اقتصادي عليها لن يبقى محصورًا داخل حدودها، بل ستكون له انعكاسات على طرق التجارة العالمية، بما يجعل تكلفة التصعيد مرتفعة على الجميع.
أما الفرضية الثانية، فترى أن القوى الغربية تسعى إلى تثبيت معادلة ردع تمنع أي طرف من تحويل المضيق إلى ورقة تفاوض أو ابتزاز سياسي، لأن حرية الملاحة تمثل بالنسبة إليها خطًا أحمر لا يمكن التساهل فيه.
في المقابل، يذهب بعض المحللين إلى أن التصعيد قد يكون جزءًا من حرب الرسائل أكثر منه مقدمة لحرب شاملة؛ فكل طرف يحاول تحسين موقعه التفاوضي وإظهار قدرته على فرض الكلفة على خصومه، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه يريد الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
غير أن التاريخ يعلمنا أن أخطر الحروب ليست تلك التي يقررها السياسيون، بل تلك التي تفرضها الأخطاء في الحسابات. فحين تزدحم البحار بالسفن الحربية، والطائرات، والطائرات المسيّرة، وتتعاظم لغة التهديد، يصبح هامش الخطأ أوسع، وتصبح احتمالات الانفجار أكبر، حتى لو لم يكن أي طرف يرغب في الحرب.
وفي خضم هذه الحسابات، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع العالم تحمل إغلاق هرمز؟
الجواب، حتى الآن، يبدو واضحًا. فتعطل الملاحة في المضيق، ولو لفترة محدودة، سيؤثر في إمدادات الطاقة، وسلاسل الإمداد، وأسعار الشحن، وسيضيف أعباءً جديدة إلى اقتصاد عالمي لم يتعافَ بالكامل من أزمات السنوات الأخيرة. ولهذا السبب تحديدًا، تتحرك القوى الكبرى سريعًا كلما ارتفع منسوب التوتر هناك.
لكن الشرق الأوسط علمنا أيضًا أن المنطق الاقتصادي لا ينتصر دائمًا على الحسابات السياسية، وأن المصالح الكبرى قد تتراجع أحيانًا أمام منطق الردع والهيبة وإثبات القدرة.
ويبقى هرمز، كما كان دائمًا، أكثر من مضيق. إنه مرآة للصراع على النفوذ، وميزان حساس للعلاقات الدولية، ونقطة يلتقي عندها النفط بالسياسة، والجغرافيا بالتاريخ، والقوة بالمغامرة.
فإذا كان العالم قد اعتاد أن يقيس استقرار الشرق الأوسط بعدد الصواريخ التي تُطلق، فإنه بات مطالبًا اليوم بأن يقيسه أيضًا بعدد السفن التي تعبر هرمز بسلام. لأن النار إذا اشتعلت في هذا المضيق، فلن يقتصر دخانها على الخليج، بل سيصل إلى كل بيت يعتمد على الطاقة، وكل اقتصاد يقوم على التجارة، وكل دولة تظن أن ما يجري في الشرق الأوسط لا يعنيها.
وعندها، لن يكون السؤال: من أشعل هرمز؟ بل: من يستطيع أن يطفئه ؟
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
