أثار اشتراط قانون الإعلام الإلكتروني اللبناني الجديد أن يكون المدير المسؤول للموقع الإلكتروني “إعلاميًا لبنانيًا” موجة من ردود الفعل الفلسطينية الغاضبة، وسط تحذيرات من أن النص يضيف قيدًا جديدًا إلى سلسلة القيود التي تحد من فرص اللاجئين الفلسطينيين في سوق العمل اللبناني.
وفي تصريحات خاصة لـ”قدس برس”، اعتبر مسؤولون فلسطينيون وخبراء قانونيون وإعلاميون أن هذا الشرط يقصي الفلسطينيين من تولي المسؤوليات الإدارية في المؤسسات الإعلامية، رغم ما يمتلكونه من كفاءات وخبرات، مطالبين بإعادة النظر فيه بما يراعي خصوصية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
وقال مسؤول العلاقات الفلسطينية في حركة “الجهاد الإسلامي” في لبنان، يوسف موسى، إن النص القانوني الجديد يعكس “تناقضًا بين الخطاب الذي يدعو إلى إنصاف اللاجئين الفلسطينيين ومنحهم حقوقهم المدنية، وبين الممارسة التي تستبعدهم من تولي مسؤوليات مهنية بسبب جنسيتهم”.
وأضاف أن اشتراط أن يكون المدير المسؤول لبنانيًا “يعني إقصاء الفلسطيني تلقائيًا، مهما بلغت كفاءته وخبرته وإسهامه في العمل الإعلامي”، معتبرًا أن اللاجئ الفلسطيني “يدفع مجددًا ثمن اللجوء والحرمان، ليس بسبب نقص في المؤهلات، وإنما بسبب هويته الوطنية التي فرضها عليه الاحتلال والتهجير”.
وأكد موسى أن المطالبة بإعادة النظر في هذه القيود “لا تتعارض مع رفض التوطين أو مع التمسك بحق العودة، وإنما تهدف إلى صون كرامة اللاجئ الفلسطيني وتمكينه من ممارسة حقوقه المدنية الأساسية إلى حين عودته إلى وطنه”، داعيًا إلى اعتماد قوانين “توازن بين خصوصية لبنان واحترام حقوق الإنسان”.
من جانبه، أوضح الناشط الحقوقي والخبير القانوني حسن السيدة أن المشرّع اللبناني يستند، في حصر منصب المدير المسؤول بالمواطن اللبناني، إلى اعتبارات تتعلق بالمسؤولية الجزائية والمدنية عن جرائم النشر، إضافة إلى اعتبارات السيادة الوطنية والأمن القومي، باعتبار الإعلام قطاعًا مؤثرًا في الرأي العام، فضلًا عن ضمان خضوع المدير المسؤول للقضاء اللبناني وعدم تمتعه بأي حصانات.
إلا أن السيدة رأى أن هذا الشرط يثير إشكاليات حقوقية، مشيرًا إلى أن لبنان ملتزم بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يكفل الحق في العمل دون تمييز، وكذلك بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يضمن حرية التعبير وتداول المعلومات.
وأضاف أن حصر إدارة المؤسسات الإعلامية الإلكترونية بحاملي الجنسية اللبنانية “يشكل تقييدًا غير متناسب للحق في العمل، ويحد من تنوع المشهد الإعلامي”، لافتًا إلى أن الفلسطينيين يواجهون أصلًا قيودًا تحول دون مزاولتهم عشرات المهن، “وجاء هذا الشرط ليضيف قيدًا جديدًا في قطاع الإعلام الرقمي، بما يبقي الإعلامي الفلسطيني في أدوار تنفيذية، ويحرمه من قيادة المؤسسة أو تمثيلها قانونيًا”.
بدوره، اعتبر الإعلامي الفلسطيني أحمد ليلى أن القانون، وإن لم يكن يستهدف الفلسطينيين بصورة مباشرة، فإن انعكاساته عليهم “واضحة ومباشرة”، لأن خصوصية وجودهم في لبنان لم تؤخذ بعين الاعتبار عند صياغة النص.
وقال إن اللاجئ الفلسطيني “محكوم بالعيش والعمل في لبنان، ولا ينبغي أن يُحرم من هذه الوظائف”، داعيًا إلى استثناء الفلسطينيين من هذا الشرط بما يراعي واقعهم القانوني والإنساني.
وأضاف ليلى أن الفلسطيني “ليس أجنبيًا بالمعنى التقليدي، فهو يعيش في لبنان منذ عقود، وولد فيه، ولا يملك خيارات أخرى للعمل”، متسائلًا: “كيف يُمنع الفلسطيني من إدارة منصة إعلامية فلسطينية تُعنى بشؤون المخيمات والقضية الفلسطينية، وهو الأقدر على فهم خصوصيتها؟”.
ودعا الإعلاميين اللبنانيين وأعضاء مجلس النواب إلى التحرك من أجل تعديل القانون، معتبرًا أن المناصب الإدارية في المؤسسات الخاصة يجب أن تستند إلى الكفاءة والخبرة، لا إلى الجنسية.
وكان مجلس النواب اللبناني قد أقر قانون الإعلام الجديد، الذي نص في المادة (63) على أن يكون المدير المسؤول للموقع الإلكتروني “إعلاميًا لبنانيًا” يتمتع بحقوقه المدنية والسياسية، إضافة إلى استيفائه شروطًا تتعلق بالمؤهل العلمي والخبرة والإقامة والتفرغ.
وأعاد هذا النص إلى الواجهة ملف القيود المفروضة على عمل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، إذ لا يزالون محرومين من مزاولة عدد من المهن المنظمة أو تلك التي تشترط الجنسية اللبنانية أو الانتساب إلى نقابات مهنية.
وتؤكد المرجعيات الفلسطينية أن المطالبة بحق العمل والحقوق المدنية للاجئين لا تتعارض مع رفض التوطين أو مع التمسك بحق العودة، وإنما تندرج في إطار ضمان العيش الكريم إلى حين العودة إلى فلسطين.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
