بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل
قد لا تمتلك دولةٌ أكبر الجيوش، لكن إن امتلكت ممرًا مائيًا استراتيجيًا، فقد امتلكت مفتاحًا من مفاتيح العالم.
تلك النقاط الصغيرة التي تبدو على الخرائط وكأنها تفاصيل هامشية، هي في الحقيقة مفاتيح النظام الدولي. فالجغرافيا، حين تمنح مكانًا قيمته، تُجبر السياسة على الانحناء أمامها، وتجعل القوى العظمى تعيد حساباتها كلما اضطرب ممر بحري أو تعثرت سفينة في مضيق. وهكذا، لم يعد البحر مجرد مساحة زرقاء تفصل بين اليابسة، بل أصبح ساحةً تُرسم عليها خرائط النفوذ، وتُقاس فيها موازين القوة، وتُكتب فوق أمواجه فصول الصراع الدولي.
وفي قلب هذه المعادلة يقف مضيقا هرمز وباب المندب، لا بوصفهما مجرد ممرين مائيين، بل شريانين يغذيان الاقتصاد العالمي بالطاقة والتجارة. فمن خلال مضيق هرمز تعبر نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج العربي، فيما يشكل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق الحيوي المؤدي إلى قناة السويس، حيث تلتقي خطوط التجارة بين الشرق والغرب. ولذلك، فإن أي اضطراب في أحدهما لا يبقى حدثًا محليًا، بل يتحول إلى أزمة تتردد أصداؤها في أسواق المال، وأسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد حول العالم.
لقد أدركت إيران منذ عقود أن الجغرافيا قد تكون سلاحًا لا يقل تأثيرًا عن الصواريخ والطائرات، وأن الإطلالة على مضيق هرمز تمنحها ورقة استراتيجية مهمة في أي مواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو غيرهما من القوى الدولية. فوجودها على ضفاف هذا الممر الحيوي يجعل أي تصعيد في المنطقة موضع اهتمام عالمي، لأن أمن الطاقة العالمي يرتبط ارتباطًا وثيقًا باستقرار هذا المضيق.
أما باب المندب، فقد أصبح بدوره جزءًا من معادلات الصراع الإقليمي، بفعل موقعه الحساس والتطورات الأمنية في اليمن، حيث أسهم نفوذ إيران عبر حلفائها، ولا سيما جماعة الحوثيين، في جعل أمن هذا الممر البحري عنصرًا دائمًا في حسابات القوى الإقليمية والدولية، من دون أن يعني ذلك امتلاك إيران سيطرة مباشرة عليه.
ومن هنا، لم تعد المواجهات تُدار عبر البيانات السياسية أو الحشود العسكرية وحدها، بل أصبحت تُقرأ أيضًا في حركة السفن، وانتشار الأساطيل، وتقلب أسعار النفط، وقلق الأسواق العالمية. فمجرد التلويح بإمكانية اضطراب الملاحة في هذه المضائق يكفي أحيانًا لإحداث ارتباك اقتصادي عالمي، لأن العالم يدرك أن أي خلل في هذه الشرايين البحرية قد ينعكس على حياة مليارات البشر.
غير أن امتلاك ورقة الضغط لا يعني سهولة استخدامها، ولا أن كلفتها محدودة. فأي تعطيل واسع للملاحة في هرمز أو باب المندب قد يفتح أبواب تصعيد عسكري وسياسي واسع، وقد يطال تأثيره الجميع بلا استثناء. ولهذا، تبقى هذه الأوراق في كثير من الأحيان أدوات ردع ورسائل استراتيجية أكثر منها خيارات قابلة للتطبيق بصورة دائمة.
لقد أصبح الصراع في الشرق الأوسط صراعًا على الممرات بقدر ما هو صراع على الحدود، لأن الدولة التي تمتلك القدرة على التأثير في طرق الطاقة والتجارة تمتلك عنصرًا مهمًا من عناصر القوة والنفوذ. ففي زمن الاقتصاد العالمي، لم تعد المضائق مجرد معابر بحرية، بل أصبحت مفاصل تتحكم بإيقاع السياسة الدولية.
وهكذا يكشف لنا هرمز وباب المندب حقيقة كبرى: أن الجغرافيا ليست خطوطًا صامتة على الخرائط، بل قوة نابضة تصنع التاريخ، وتعيد رسم موازين القوى، وتفرض حضورها حتى على أكثر الدول نفوذًا. فكم من مضيق صغير غيّر مسار أحداث كبرى، وكم من موقع جغرافي فرض نفسه على قرارات عواصم بعيدة.
وفي الختام، تثبت الوقائع أن العالم لا تحكمه القوة العسكرية وحدها، بل تحكمه أيضًا الجغرافيا حين تتحول إلى قرار، والموقع حين يصبح ورقةً في لعبة الأمم. قد تبني الدول الجيوش، وتكدّس الترسانات، وتطور أحدث الأسلحة، لكنها لن تستطيع أن تغيّر موقع مضيق، أو تلغي أهمية بحر، أو تتجاوز السنن التي أودعها الله في الجغرافيا والتاريخ. وبين هرمز وباب المندب تتقاطع مصالح الأمم، وتُختبر إرادات القوى الكبرى، ويظل الإنسان، مهما بلغ من قوة، خاضعًا لإرادة الله تعالى:
وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
