الشيخ حسين بن أحمد عسيران
حين تصبح الفسحة عمرًا: قصة موظفٍ حوّل أوقات فراغه إلى سندٍ يمتدُّ قرنًا
(١٣٢٩هـ – ١٤٢٦هـ) / (١٩١١م – ٢٠٠٤م)
قلّما تجد في التراجم رجلًا دخل عالم الحديث والقراءات من باب الكهرباء وسكة الحديد والبريد؛ فأكثر من عرفناهم من “المسندين” نشأوا في بيوت العلم أو كتاتيبه منذ الصغر، أما حسين بن أحمد عسيران فقد حمل شهادة دبلوم في الكهرباء قبل أن يحمل إجازةً في صحيح البخاري. ولعل في هذا التناقض الظاهري – بين عالم الآلة وعالم السند – ما يفسّر سرّ الرجل: فهو لم يطلب العلم لأنه وُلد في بيته، بل طلبه رغم أن حياته لم تكن مهيأة له، فكان كلما وجد فراغًا من وظيفته، مضى إلى شيخٍ يقرأ عليه، حتى بنى لنفسه سندًا امتد من صيدا إلى دير الزور، ومن بيروت إلى بغداد.
من صيدا إلى دير الزور: طفولة العلم ومطلع الطريق
وُلد حسين بن أحمد عسيران في صيدا جنوبي لبنان، مساء الاثنين تاسع محرم ١٣٢٩هـ الموافق تاسع كانون الثاني ١٩١١م، ونشأ فيها نشأته الأولى، فتلقى العلوم الابتدائية في مدارس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، ثم اجتاز امتحان الدخول إلى “مدرسة الصنائع والفنون” في بيروت، وتخرج فيها بعد أربع سنوات حاملًا دبلومًا في علوم الكهرباء نظريًّا وعمليًّا، فعمل على إثر ذلك فنيًّا كهربائيًّا مدة ثلاث سنوات، قضى معظمها في مدينة دير الزور شمال سوريا.
وهناك تعرّف إلى الطريقة النقشبندية التي كان يرأسها الشيخ محمد علاء الدين، فوجد في مجالسها ما حبّب إليه التفقه في الدين وملازمة أهل العلم والتقوى، فكانت دير الزور – على بُعدها – نقطة التحوّل الأولى في مسيرته.
بين سكة الحديد ومجالس العلم: ثلاث عشرة سنة من الطلب
ترك عسيران تلك الوظيفة، ورجع إلى مدينة بيروت، واشتغل فنيًّا في شركة سكة الحديد مدة ثلاث عشرة سنة، لم ينقطع خلالها عن ملازمة شيوخ بيروت وأساتذتها في أوقات فراغه غدوة وعشيًّا. ففي هذه المرحلة حفظ قدرًا كبيرًا من القرآن الكريم على الشيخ توفيق راغب البابا حتى أجازه بالتجويد والجزرية، ثم نصحه الشيخ راغب القباني – حين حاول استظهار الشاطبية – بأن يتقن الصرف والنحو أولًا، فلازمه حتى قرأ عليه كتاب البركوي في العوامل.
مسند الديار اللبنانية: رحلة في طلب الحديث
كانت المحطة الأعمق في حياة الشيخ عسيران حين حبّب الله إليه علم الحديث الشريف، فقصد سنة ١٣٦٠هـ العلامة المحدث السيد محمد العربي العزوزي، الذي اشترط عليه حفظ ألفية ابن مالك في الصرف والنحو، وألفية الحافظ العراقي في مصطلح الحديث، فأتقن حفظهما معًا في عشرة أشهر، فكافأه شيخه بأن شرح له الألفية ولازمه ثلاث عشرة سنة كاملة، قرأ خلالها ودرس عليه أمهات كتب الحديث: البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والموطأ للإمام مالك، وشمائل الترمذي، والأربعين العجلونية، ومسند الشهاب القضاعي، فأجازه بها جميعًا.
ولما توفي شيخه العزوزي سنة ١٣٨٢هـ، لم ينقطع طلب عسيران، بل اتصل بفضيلة الشيخ عبد الله الهرري، فأجازه بمسند الإمام أحمد وسنن البيهقي، وبذلك اتصلت له سلسلة الإسناد التي حمل لواءها فيما بعد.
الفقه والفرائض والقراءات
لم يقتصر طلب عسيران على الحديث وحده، فقد حفظ متن العمريطي في فقه الشافعية على الشيخ مصطفى النقاش، ودرس الفرائض على الشيخ محمد الداعوق، والمعاني والبيان على الشيخ حسن دمشقية الذي أجازه أيضًا برواية ورش من طريق الشاطبية، ومنظومة “مورد الظمآن” في رسم القرآن الكريم وضبطه.
وأما سنده في القراءات فقد قرأ برواية حفص على الشيخ محمد توفيق البابا الدمشقي، عن الشيخ عبد الله المنجد، عن الشيخ أحمد دهمان، عن الشيخ أحمد الحلواني، وقرأ برواية قالون وورش على شيخ القراء في لبنان الشيخ حسن دمشقية، عن الشيخ محمد سليم الحلواني، فاتصلت له بذلك أسانيد عالية في القراءات السبع.
وحين نُقلت وظيفته البريدية إلى خارج بيروت، اضطر إلى التوقف عن حضور الدروس إلا في الأعياد والمناسبات، فلم يمنعه ذلك من متابعة الأخذ عمن أمكنه الأخذ عنه، حتى استكمل بحمد الله سلسلة رواياته.
عشرون شيخًا وطريقٌ نقشبندية
روى عسيران بالقراءة والإجازة عن عشرين شيخًا، أجازه عشرة منهم مباشرة، ثلاثة بالمكاتبة وستة بالقراءة، من أبرزهم – إلى جانب من تقدّم ذكرهم – الشيخ عبد الله الصديق الغماري الذي أجازه عامة مكاتبة من طنجة، والشيخ محمد جعفر الكتاني الذي وصفه بأنه “أعلم من لقيت”. كما روى عن نحو مئة شيخ آخرين ممن أجازوا عامة لأهل عصرهم، منهم يوسف النبهاني، ومحمد عبد الحي الكتاني صاحب “فهرس الفهارس”، وعبد الحفيظ الفاسي صاحب “رياض الجنة”، ومحمد ياسين الفاداني المكي.
وإلى جانب هذا كله، ظل عسيران وفيًّا لطريقته النقشبندية التي عرفها في دير الزور، فلازم الشيخ محمد علاء الدين ثم نجله الشيخ محمد عثمان سراج الدين حتى وفاته، وكان – كما ذكر بنفسه – مَن غسّله ودفنه، وأجازه الشيخان معًا بتعليم الراغبين وتلقينهم آداب الطريقة وأذكارها، فانتشرت الطريقة على يديه في أنحاء لبنان.
عقدٌ في بغداد: امتداد العطاء إلى العراق
بعد تقاعده من الوظيفة، لم يقتصر نشاط الشيخ عسيران على بيروت، بل نزل بغداد في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، ومكث فيها نحو عشر سنوات، يُدرّس القرآن الكريم وصحيح البخاري وصحيح مسلم وبعض كتب الحديث في تكية الشيخ عثمان بحي الحمراء ببغداد، فأقبل عليه طلبة العلم هناك، ومن أبرزهم الشيخ محمد شكور امرير، الذي قرأ عليه القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم من طريق الطيبة ومن طريق الشاطبية فأجازه بذلك، وقرأ عليه صحيح البخاري كاملًا فأجازه به أيضًا، وهو مما قرأه الشيخ حسين نفسه كاملًا على مشايخه.
ثم امتد أثره إلى ما بعد بغداد، فقرأ عليه صحيح البخاري كاملًا كذلك د. حسين العبيدلي من الشارقة، وقرأ عليه موطأ الإمام مالك محمد إبراهيم الفارسي وحسين الهاجري من دبي، وظل – رحمه الله – حتى أواخر حياته يُقرئ من تبقّى من طلبته صحيح البخاري وفتح الباري، فأدركوا معه منه ثلاث مجلدات قبل أن تدركه المنية.
مصنَّفه ومسنده
تُوّج هذا العمر الطويل في طلب العلم وبثّه بكتابه “منة الرحمن في أسانيد حسين عسيران”، طُبع في بيروت سنة ١٤١٨هـ/١٩٩٧م، وهو الأثر الذي جمع فيه أسانيده ومروياته في القرآن والحديث والفقه والطريقة، فحفظ به سلسلة إسناده لمن بعده، وجعله – بحق – مسندًا للديار اللبنانية ومقرئًا ومحدثًا وفقيهًا. ولولا عناية العلامة الدكتور يوسف بن محمود المرعشلي بحفظ هذه الترجمة بقلم صاحبها ونشرها في موسوعته القيّمة “نثر الجواهر والدرر”، لكان يُخشى أن تضيع هذه السيرة كما ضاعت سير كثيرين ممن لم يجدوا من يوثّق لهم.
وفاته
توفي الشيخ حسين بن أحمد عسيران رحمه الله صباح يوم الأربعاء ١٤ جمادى الآخرة ١٤٢٦هـ في بيروت، ودُفن عصر اليوم نفسه، عن سبع وتسعين سنة قضاها بين طلب العلم وتعليمه، فرثاه أهل العلم في المنتديات والمجالس، ونُعي بوصفه من كبار المسندين المعمرين في عصره.
حساب بسيط
لو جمعنا سنوات وظائفه الرسمية – في سكة الحديد ثم البريد – لوجدناها تقترب من ثلاثين عامًا كاملة، رقمٌ قد يبدو للوهلة الأولى يشهد على رجلٍ استهلكته الوظيفة، لا رجلٍ حمل لقب “مسند الديار اللبنانية”. لكن الحساب الحقيقي في سيرته ليس في عدد سنوات دوامه، بل في عدد “الفراغات” التي لم يُضيّع منها دقيقة: غدوة هنا يقرأ جزءًا من القرآن، وعشية هناك يحفظ صفحة من ألفية، وعطلة عيدٍ يقطع فيها الطريق إلى شيخ. فالرجل لم يكن يملك من الوقت أكثر مما يملك أي موظف آخر، وإنما كان يملك شيئًا واحدًا فارقًا: أنه لم يعدّ الفراغ فراغًا قطّ.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
