بقلم: أمين السكافي.
من يقرأ المشهد اليمني بعين اللحظة، يظن أن الحرب بدأت مع صعود الحوثيين، أو مع التدخل العسكري السعودي عام 2015، أو مع الصواريخ والطائرات المسيّرة التي عبرت الحدود، أو حتى مع التطورات العسكرية الأخيرة. لكن الحقيقة أن اليمن والسعودية لم يكونا يوماً جارين عاديين، بل كانا على امتداد التاريخ شريكين في الجغرافيا… وخصمين في السياسة.
فالعلاقة بين البلدين لم تُبنَ يوماً على حدود مرسومة فقط، وإنما على معادلة أكثر تعقيداً: دولة كبيرة تخشى الفوضى على حدودها الجنوبية، ويمن يرى في نفسه بلداً عصياً على الهيمنة، مهما تبدلت الأنظمة والحكام.
ومن هنا، يمكن القول إن الصراع السعودي اليمني لم يكن صراعاً عابراً، بل أحد أطول الصراعات السياسية في الجزيرة العربية.
بدأت الحكاية الحديثة مع قيام المملكة العربية السعودية في ثلاثينيات القرن الماضي، حين اندلعت الحرب السعودية اليمنية عام 1934، وانتهت بتوقيع معاهدة الطائف التي رسمت الحدود ومنحت السعودية السيطرة على عسير ونجران وجيزان، وهي مناطق لا يزال بعض اليمنيين يعتبرونها جزءاً من اليمن التاريخي، رغم أن الحدود الدولية أصبحت لاحقاً معترفاً بها رسمياً.
ومنذ ذلك التاريخ، لم تهدأ العلاقة إلا لتعود إلى الاشتعال بصورة مختلفة.
دعمت الرياض الجمهورية في حرب اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، في مواجهة الإماميين المدعومين من مصر جمال عبد الناصر، فتحولت اليمن إلى ساحة أولى للصراع العربي العربي، قبل أن تصبح لاحقاً ساحة للصراع الإقليمي.
ومع توحيد اليمن عام 1990، ظنت المنطقة أن صفحة جديدة قد بدأت، لكن حرب الخليج الأولى سرعان ما أعادت التوتر، عندما وقف الرئيس علي عبد الله صالح موقفاً اعتبرته السعودية منحازاً للعراق، فدفعت مئات آلاف العمال اليمنيين ثمن ذلك بترحيلهم من المملكة، في خطوة تركت جرحاً اقتصادياً وسياسياً عميقاً في الوعي اليمني.
⸻
لكن من هم الحوثيون؟
ليسوا مجرد جماعة مسلحة ظهرت فجأة كما يعتقد البعض.
الحوثيون، أو “أنصار الله”، خرجوا من البيئة الزيدية في محافظة صعدة شمال اليمن خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بدايةً كحركة دينية وثقافية هدفت، بحسب قادتها، إلى حماية الهوية الزيدية من التهميش، ثم تحولت تدريجياً إلى حركة سياسية وعسكرية بعد اندلاع المواجهات مع الحكومة اليمنية عام 2004. وبعد سنوات من الحروب، تمكنت الحركة من السيطرة على صنعاء عام 2014، وهو الحدث الذي غيّر وجه اليمن والمنطقة بأكملها.
وتختلف الروايات حول طبيعة علاقتها بإيران.
فالوقائع الثابتة تشير إلى أن طهران قدمت دعماً سياسياً وعسكرياً وتقنياً للحركة عبر السنوات، بينما يختلف الباحثون حول حجم هذا الدعم، وما إذا كان الحوثيون مجرد امتداد للسياسة الإيرانية، أم أنهم حركة يمنية مستقلة تتقاطع مصالحها مع إيران أكثر مما تخضع لقرارها.
⸻
حين سيطر الحوثيون على صنعاء، رأت السعودية أن العاصمة اليمنية باتت على مرمى النفوذ الإيراني.
ولذلك جاء التدخل العسكري في مارس 2015 تحت عنوان إعادة الشرعية إلى اليمن، بعدما تشكل تحالف عربي واسع لدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. غير أن الحرب التي قيل إنها ستكون قصيرة امتدت سنوات، وأنتجت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، فيما بقي الحوثيون يسيطرون على معظم شمال اليمن، بما في ذلك العاصمة صنعاء.
⸻
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم…
لماذا تتحرك الجبهة الآن؟
وفق المعطيات المتوافرة، فإن التصعيد الأخير جاء بعد اتهامات يمنية وسعودية بمحاولة طائرة إيرانية الوصول إلى صنعاء، وما تبع ذلك من استهداف مدرج مطار صنعاء ومنع الطائرة من الهبوط، الأمر الذي أنهى فترة هدوء نسبي استمرت منذ هدنة عام 2022، وأعاد التهديدات المتبادلة بين الحوثيين والرياض.
أما تفسير دوافع هذا التصعيد فيبقى في دائرة التحليل لا الحقائق القطعية.
إحدى الفرضيات تقول إن السعودية تسعى إلى توجيه رسالة ردع لإيران بأن اليمن لن يكون منصة مفتوحة لتحركاتها العسكرية والسياسية، خصوصاً في ظل التحولات الإقليمية الأخيرة.
وفرضية أخرى ترى أن الرياض تريد منع الحوثيين من استثمار الظروف الإقليمية لإعادة تثبيت معادلة القوة التي فرضوها خلال السنوات الماضية.
في المقابل، يعتقد محللون أن الحوثيين أنفسهم قد يجدون في التصعيد وسيلة لإعادة تثبيت حضورهم الداخلي والإقليمي، خصوصاً بعدما تراجع زخم الحرب خلال الأعوام الأخيرة، بينما يرى آخرون أن ما يجري قد يكون جزءاً من إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة بأكملها، وليس في اليمن وحده.
⸻
في النهاية…
قد يختلف الناس حول الحوثيين، كما يختلفون حول السياسات السعودية، لكن الثابت أن اليمن لم يكن يوماً مجرد جار للمملكة، كما لم تكن السعودية بالنسبة لليمن مجرد دولة مجاورة.
إنهما جاران يربطهما التاريخ أكثر مما تربطهما الحدود، وتفرقهما الحسابات أكثر مما تجمعهما الجغرافيا.
ولعل المأساة الحقيقية أن كلاً منهما يدرك أنه لا يستطيع إلغاء الآخر، ومع ذلك يستمر الصراع وكأن التاريخ لم يعلّم الطرفين أن الحروب قد تغيّر الخرائط، لكنها نادراً ما تغيّر الجغرافيا.
فبين صنعاء والرياض، لا تنتهي الحروب بانتصار طرف، بل تبدأ من جديد كلما ظن أحدهما أن الصفحة الأخيرة قد كُتب .
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
