*أ.محمد البحر المحضار …*
*زلزال الفقد وهول المطلع:*
كيف للكلمات أن تتماسك حين تهتزّ عروش القلوب؟
وكيف للحروف أن تترتب والوجع مبعثرٌ في زوايا الروح؟
هل غاب الضياء أم انحنت قامات الصبر تحت وطأة النبأ العظيم؟
بمدامعَ تفيضُ دماً لا دموعاً، وبقلوبٍ خاشعة، خاضعة، منكسرة أمام مشيئة الجبار، ننعى إلى العوالم الخفية والجلية، الروحانية والنورانية، رحيل طودٍ شامخ، ورجلٍ تزلزلت الأرض لمصابه، واهتزت السموات لفقده الأسيف؛
إنه آية الله العظمى، وبقية السيف، وسفير إمام الزمان، الإمام الشهيد السيد علي الحسيني الخامنئي، الذي ارتقى شهيداً مضرّجاً بدم العزّة والإباء، إثر هجومٍ صهيونيٍّ غاشم، ليلتحق بالركب الأسمى والشهداء الأبرار، مستسلماً لأمر مالك الملك والملكوت، ومخلفاً في عروق الأحرار نيراناً لا تخمد، وفي سفر التاريخ مجداً تليداً تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل.
*في محراب العرفان وعوالم الغيب:*
لقد كان الراحل الكبير يترنم في محراب طاعته بخضوع وانكسار وابتهال، تترجم أصوات قلبه عرفانية الروحانية وروحانية العرفان، ممتداً بفكره وجهاده من عالم الملكوت إلى الجبروت، متجاوزاً حدود المادة ليكون بحق جندياً مجنداً مخلصاً لله ورسوله وأهل بيته الأطهار.
واليوم، ونحن نقف لا بأجسادنا بل بأرواحنا وقلوبنا وعقولنا ومداركنا على أعتاب ذلك الضريح وتلك العتبة المقدسة التي سوف تُبنى وتُنشأ وتُرفع قبتها في عنان السماء لتضم جسداً عظيماً طاهراً طالما كان مسكناً لروح من أعظم الأرواح، ومنبعاً للنور والهدوء والوفاء المطلق، ندرك حجم الخسارة الحقيقية.
لم يكن قائدا عادياً، بل كان يمثل عمق الجهاد والاستبصار في هذا الزمان، وقائداً فذاً استثنائياً أفنى عمره المبارك ذائداً عن حياض الأمة، ممهداً لظهور القائد الأعلى الحجة بن الحسن المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، فكان “المرعب الراحل” الذي يهابه الأعداء في حياته بابتسامته وسلاحه، وزادته الشهادة وقاراً وهيبة فوق هيبته ليصبح بعد رحيله “الراحل المرعب” الذي يلاحق عروش الطغاة بذكراه ومنهجه، ويستحال فكرةً عصية لا تقبل الهزيمة تسري في سواعد المجاهدين.
*كربلاء تتجدد: قتيل العبرات في زمن التضحية:*
قد يتساءل البعض في هذه الأيام الكربلائية من شهر محرم الحرام: كيف نطلق وصف “قتيل العبرات” أو “شهيد كربلاء” على غير أبي عبد الله الحسين؟ ونقولها بملء الفيه واليقين:
نعم، إن الحسين عليه السلام هو الأصل والمرجع، ولكن كيف لا يكون حفيده وجنده السائر على نهجه قتيلاً للعبرات ومذبوحاً بنيران العدوان وقصف الصواريخ الغادرة في عقر داره؟
لقد استُهدف الإمام الخامنئي وقدم كبده وفلذة كبده، حفيدته وطفلته الغالية الزكية، ليرتقوا معاً شهداء على طريق الطفّ، معيداً إلى الأذهان مأساة الرضيع وبذل الأنبياء والأوصياء الذين لم يبخلوا بأغلى ما يملكون في سبيل الحق، ومثبتاً للعالم أجمع بلسان حاله: “إن كان هذا يرضيك يا رب فخذ حتى ترضى”.
إنها مأساة جليلة كبّلت العقول عن الاستيعاب، وتركت في النفوس جرحاً غائراً قد نتجرع مرارته لسنواتٍ طوال بل لعقودٍ مديدة، وكيف لا يهتز عرش الرحمن لمقتله وهو الذي عاش للحق ومات عليه؟
*انكسار الوفاء لا انكسار الهزيمة:*
إن هذا التشييع المهيب الجبار والمحفل الجليل الذي شهده الكون، وتقاطرت له الجموع، تكسرت أمامه الجبال ورجفت له القلوب خاشعة، ليترجم للدنيا باكملها مكانة هذا الرجل الرباني.
وإننا إذ نعلن بكل شجاعة أننا مكسورون ومفجوعون لهذا الفقد العظيم، فإننا نوضح للعدو والصديق:
انكسارنا هو انكسار الوجد والوفاء والهيبة: حزناً على غياب ناصحنا وقائدنا وفجيعة بمصابه، وليس انكسار الذل والانبطاح والوهن:
فنحن لن ننحني، ولن نلين، وجباهنا لا تسجد إلا لله، بل نناطح برؤوسنا سحب السماء العالية، شامخون شموخ الجبال الراسيات، مستبسلون في سوح الوغى، لا ننكص على أعقابنا ولا نهاب المنون، وقد زادنا هذا الدم الطاهر قوةً فوق قوتنا، وعزماً فوق عزمنا.
لقد تخرجنا ورضعنا الثبات من المدرسة المحمدية العلوية الفاطمية الحسنية الحسينية؛ ذلك المعهد الأعلى للتعليم التابع لأمير المؤمنين، ومركز التأهيل والتمكين للزهراء البتول، ومنهج الحسن المسموم، وطريق الحسين الشهيد.
ومن هذه المرجعية الكبرى، تعلمنا كيف نحول الآلام إلى آمال، والدماء إلى مشاعل حرية ونصر، وأن الصرخة في وجه الباطل عبادة، وأن التراجع خطيئة، وأن راية الإسلام يجب أن تظل خفاقة عزيزة.
*ميثاق الدم والعهد الأبدي:*
نعترف بأن الألسن عاجزة، وأن الأفكار مبهمة مذهولة أمام هول المنظر، لكن هذا الذهول يتبدد ليتحول إلى طاقة وثابة تجرف عروش الطغاة، وإلى صرخة مدوية في أرجاء الكون، صرخة لا تستمد قوتها من علو الصوت، بل من جزالة العبارة وعمق العقيدة: “قوموا لله وقاتلوا في سبيل الله، وجاهدوا لإعلاء كلمة الله، وانتصروا لدين محمد بن عبد الله”.
تالله، وبالله، وبحق محمد وآل محمد وعترته الأطهار، إننا على العهد ماضون، وباقون، وثابتون، وصامدون، لن نعود، ولن نحيد، ولن نمل، ولن نكل، ولن نتراجع خطوة واحدة أو قيد أنملة إلى الوراء.
هذا هو طريقنا الحقيقي، سنستمر فيه حتى ينجز الله وعده ونلقاه إما منتصرين فوق الأرض بنصر عزيز يُقرّ أعين المؤمنين، أو شهداء في باطنها تلحقنا بالصديقين.. وفي كلتا الحالتين نحن الفائزون، الغالبون، المفلحون.
*زفرة الختام …*
*#أما_بعد …*
آهٍ على ذلك الوجه النوراني والرحيل المؤلم، إن العيون لتجود بدم القلوب دارخةً للدماء بدل الدموع، والأنفس تشهق شهيق المتألم المغلوب، والمآتم تُقام في كل جغرافيا المقاومة حزناً على أسد الوغى الهاشمي القرشي.
فسلامٌ عليك يا قائدنا وناصر الدين يوم ولدت، ويوم جاهدت، ويوم ارتقيت شهيداً مظلوماً، هنيئاً لك الفوز الأسمى، وسلامٌ علينا ونحن نقتفي أثرك وثباتك ونطوي مسافات الغياب حتى الملتقى عند حوض رسول الله.
في غيابك تزلزلت الأرض هيبة، وفي رحيلك تشرّعت السماء كرامة وبلواء النصر نثأر للمحراب.
غادرتنا جسداً حياً مرعباً، وبقيت فينا روحاً ثائرة وشعاعاً أرادوا إطفاءه بقصفهم فاستحال شمساً لا تموت.
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
#رفعت_الجلسة …
*#البحر_المحضار …*
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
