بقلم: أمين السكافي.
الحروب الكبرى لا تبدأ يوم تُطلق المدافع أولى قذائفها، بل يوم تتبدل الخرائط في العقول قبل أن تتبدل على الأرض. هناك، في الغرف المغلقة، تُرسم خطوط النار بالقلم قبل أن ترسمها الدبابات بجنازيرها، وتُعقد الصفقات قبل أن تُفتح الجبهات، ويُعاد تعريف الأصدقاء والخصوم وفق ميزان المصالح لا وفق قاموس المبادئ.
ومنذ أن دخل أحمد الشرع، المعروف سابقًا بأبي محمد الجولاني، قصر الرئاسة في دمشق، لم يعد السؤال يدور حول الرجل وحده، بل حول المشروع الذي يحمله، وحول القوى التي أوصلته إلى هذه اللحظة، وحول الثمن الذي قد يُطلب منه دفعه مقابل الاعتراف الدولي والانفتاح السياسي.
فالشرق الأوسط لا يمنح أحدًا شرعية مجانية.
وإذا كان التاريخ قد علّمنا شيئًا، فهو أن كل سلطة جديدة في هذه المنطقة تُختبر سريعًا: مرة عند حدودها، ومرة في خياراتها، ومرة في قدرتها على تنفيذ ما يُطلب منها، لا ما ترغب فيه.
اليوم، يعود لبنان إلى واجهة الأسئلة.
تتداول أوساط إعلامية وسياسية في الأيام الأخيرة أخبارًا عن تحركات عسكرية وحشود على الحدود اللبنانية ـ السورية، بعضها ينسب وجود مجموعات يقودها أبو مالك التلي أو شخصيات مرتبطة ببيئة الفصائل المسلحة السابقة. وحتى اللحظة، لا توجد معطيات رسمية تؤكد هذه الروايات، كما لا توجد أدلة معلنة تثبت أن قرارًا عسكريًا قد اتُّخذ. لكن مجرد تداول هذه الأخبار في هذا التوقيت يدفع إلى طرح أسئلة لا يجوز تجاهلها، لأن السياسة لا تُقرأ بما وقع فقط، بل بما يمكن أن يقع إذا اكتملت شروطه.
وليس سرًا أن الحدود الشرقية للبنان كانت، عبر عقود، أكثر من مجرد خط جغرافي. فمنها دخلت جيوش، وعبرها انسحبت أخرى، ومنها مرّ السلاح والنازحون والمقاتلون، وتحولت في محطات كثيرة إلى الخاصرة التي يتسلل منها الخطر حين تضيق الخيارات في أماكن أخرى.
من هنا، يصبح السؤال مشروعًا: هل يمكن أن تتحول هذه الحدود إلى جبهة جديدة في إطار إعادة رسم موازين القوى في المنطقة؟
هذا السؤال يزداد إلحاحًا إذا ما وضعنا إلى جانبه التحولات التي شهدتها دمشق خلال الأشهر الماضية.
فالشرع لم يعد قائد تنظيم يسعى إلى تثبيت نفوذ محلي، بل رئيس دولة يبحث عن تثبيت شرعيته الإقليمية والدولية، ويعرف أن المجتمع الدولي لا يمنح الثقة بلا مقابل. لذلك، يراقب كثيرون لقاءاته واتصالاته مع قادة العالم، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بوصفها جزءًا من مسار إعادة إدماج سوريا في النظام الإقليمي، لا مجرد لقاءات بروتوكولية. أما طبيعة التفاهمات التي قد تكون نوقشت، فهي تبقى في إطار التحليل، إذ لم تُعلن تفاصيل رسمية تسمح بالجزم بما دار خلف الأبواب المغلقة.
وفي قلب هذا المشهد تقف تركيا.
أنقرة ليست مجرد دولة مجاورة لسوريا، بل لاعب رئيسي في رسم توازنات الشمال السوري، وشريك لا يمكن تجاوز دوره في أي ترتيبات تخص دمشق. ومع استمرار الحديث عن إعادة صياغة العلاقات التركية ـ الأميركية، عادت إلى التداول تحليلات تربط بين الملفات العسكرية الكبرى وبين الأدوار السياسية التي قد تُطلب من الحلفاء. ومن بين ما يُتداول، فرضيات عن إمكان ربط بعض صفقات التسليح، ومنها ما يخص مقاتلات F-35، بأدوار إقليمية أوسع. غير أن هذه الفرضيات لم تستند إلى إعلان رسمي، ولذلك تبقى في إطار القراءة السياسية لا الحقيقة المثبتة.
وينسحب الأمر نفسه على ما تردد في بعض الأوساط عن احتمال نقل منظومة S-400 الروسية الموجودة لدى تركيا إلى طرف ثالث، وبينه الإمارات، في سياق تفاهمات أوسع يُقال إن إسرائيل معنية بها. وحتى الآن، لا يوجد ما يؤكد رسميًا إتمام مثل هذه الخطوة، لكنها تكشف حجم التشابك الذي بات يحكم ملفات التسليح والسياسة في المنطقة.
وسط هذه الصورة، جاءت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان.
في ظاهرها، كانت زيارة دبلوماسية عنوانها العلاقات الثنائية، وضبط الحدود، والتعاون بين دولتين جارتين. لكن السياسة في المشرق علمتنا أن البيانات الرسمية ليست دائمًا الرواية الكاملة. لذلك، تعددت القراءات حول الزيارة، وذهب بعض المحللين إلى اعتبار جولاته، ولا سيما في الشمال اللبناني، محاولة لاستطلاع المزاج السياسي داخل البيئة السنية، وقياس استعدادها للتفاعل مع أي تحولات مقبلة. وهذه القراءة تبقى، بدورها، تفسيرًا سياسيًا لا حقيقة معلنة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: ماذا فعل الشيباني؟
بل: لماذا جاء الآن؟
ولماذا تتزامن هذه الحركة الدبلوماسية مع تصاعد الحديث عن الحدود، ومع استمرار الضغوط الأميركية والإسرائيلية الرامية إلى تقليص نفوذ حزب الله، ومع محاولات إعادة ترتيب المشهد السوري؟
قد يكون كل ذلك مجرد تزامن.
وقد يكون أكثر من ذلك.
ففي الشرق الأوسط، لا يجتمع هذا العدد من المؤشرات في وقت واحد من دون أن يدفع المراقب إلى الحذر.
أما إسرائيل، فهي تنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة. فمنذ سنوات، وهي تعلن أن هدفها ليس فقط منع تعاظم قدرات حزب الله، بل دفعه إلى حالة استنزاف دائم. ومن هذه الزاوية، فإن أي توتر على الحدود الشرقية للبنان، إذا وقع، قد يخدم استراتيجيتها بإشغال الحزب على أكثر من جبهة، حتى لو لم تكن طرفًا مباشرًا في المواجهة منذ لحظاتها الأولى.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية…
إذا فُرض على لبنان أن يواجه اشتعالًا جديدًا على حدوده الشرقية، فهل سيكون وحده؟
هل ستعتبر إيران أن أي مواجهة من هذا النوع تمس أمن محور المقاومة بأكمله، أم أن حسابات التفاوض، والضغوط الاقتصادية، وإعادة ترتيب الأولويات، قد تجعلها تتعامل مع الأمر بطريقة مختلفة؟
وماذا عن العراق، واليمن، وسائر أطراف المحور؟
هل ما زالت عقيدة “وحدة الساحات” قائمة بالزخم نفسه، أم أن لكل ساحة اليوم حساباتها الخاصة؟
لا أحد يملك جوابًا قاطعًا.
لكن المؤكد أن المنطقة تقف على مفترق طرق تاريخي. فالأدوار تتغير، والتحالفات يعاد تشكيلها، والخصوم يتبادلون الرسائل أكثر مما يتبادلون الرصاص، فيما تبقى الدول الصغيرة، ولبنان في مقدمها، معرضة لأن تتحول إلى ساحة اختبار لمشاريع الآخرين.
قد لا تكون هناك حرب غدًا.
وقد تكون كل هذه المؤشرات مجرد رسائل ضغط متبادلة.
لكن الحكمة السياسية لا تقوم على انتظار الانفجار، بل على قراءة الشرارة الأولى.
ولعل السؤال الحقيقي ليس: هل يفعلها الشرع؟
بل: إذا كان القرار قد اتُّخذ في مكان ما، فهل يملك الشرع فعلًا حرية أن يقول: لا؟
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
