رحلة عمر على خريطة الروح

 

دينا الرميمة

من حيث بدأ كل شيء، من طهران، من فوق المنبر الذي هزّ عروش الظالمين، ومن حيث قالها بثبات: _”أمريكا لن تستطيع فعل شيء”_
ومنها أثبت أنه كان صادقًا.

من المدينة التي احتضنته ثلاثين عامًا قائدًا، ومعلمًا، وأبًا. لم يكن يسكن القصور، بل كان يسكن بيتًا بسيطًا، وكتبًا، وسجادة.

ومنها اليوم يقف الإيرانيون في محراب الوفاء، لتلبية نداء العهد معه، كقائدٍ لم يترجل عن صهوة الجهاد إلا ليتوج مسيرته بأسمى أمانيه، مرتقيًا شهيدًا على طريق العزة والكرامة.

أربعة أشهر عجاف ونيف منذ غاب، إلا أن الغياب لم يكن انطفاءً، بل اشتعالاً للوعي في عروق الأمة. فدماء القادة لا تذهب سُدًى، بل تتحول إلى طوفانٍ يزلزل عروش الطغيان. فإن رحل الجسد، فبلا شك ستبقى الرؤية الثاقبة والوصية الخالدة بوصلةً لا تنحرف، ومدرسةً تُعلّم الأجيال أن النصر يصنعه الدم الثائر والوعي الصلب.
وعلى الرغم من أن رحيله ربما جعل الإيرانيين يجدون أنفسهم أمام رزءٍ لا يطيقون حمله، وأمام فاجعةٍ تتجاوز في حقيقتها كونها مجرد حادثٍ عابر، هم لا يودعون جسد شيخ، بل قائدًا جمع بين “حبر الدواة وبارود البندقية”، وفكرة حية لا تموت، فكرة الرفض التي أسسها الحسين يوم رحيله التراجيدي المهول. إلا أنهم وبعد انتظارٍ طال، منذ لحظة استشهاده في رمضان وحتى يوم وداعه الأخير، خرجوا وفي قلوبهم مرارة حرقة، ولهفة شوق. يحملون أماني تراودهم بسماع صوته أو رؤية محياه، فلعل الكثير لم يؤمن برحيله، لكن الواقع يعيدهم إلى الحقيقة المرة: بأنها لحظة الوداع، لحظة يحملون نعشه على أكفهم. لحظة يحمله العاشقون إيمانًا، ويحمله الأحرار وفاءً، وتحمله القلوب التي سكن فيها. وتشيعه قلوبٌ خاشعة، وفاءً ونصرًا للمنهج الذي استشهد من أجله.
ومن طهران إلى قم،
إلى مدينة العلم، إلى الحوزة التي تربى بين جدرانها، وهناك حيث كان شابًا يدرس، ويسهر، ويحفظ. لكنه اليوم عاد إليها شيخًا تُشيّعه الأمة، وتذرفه العين دمعًا، وأصوات ترثيه شعرًا، وقلوب تبكيه وجعًا وفقدًا. صلى عليه أساتذته، وبكى عليه طلابه، وحتى الدروس التي ألقاها خرجت من الكتب لتشيعه.

ومن قم إلى النجف، إلى مدينة الوصي، إلى حيث العدل والزهد والثبات.
وقف على أعتاب أمير المؤمنين علي: “يا أبا الحسن، هذا من سار على نهجك. هذا من قال للناس: لا تركعوا إلا لله. هذا من اختار طريقك الصعب”.
رجلاً عاش لله، وتحرّك بأمر الله، واختصر العمر جهادًا، ليكون مسكُ ختامه شهادةً مضرجة بالعزة في سبيل الله. ومثلك صام عن الدنيا وزخرفها طويلاً، ومثلك أفطر في مقعد صدقٍ على مائدة الإمام الحسين (عليه السلام) والشهداء والأبرار.
ومثلك – ورب الكعبة – قد فاز.
وبعد النجف يبقى الحلم كربلاء التي كان قلبه معلقًا بها، وعاش لأجلها، وصبر لأجلها، وثبت لأجلها.
ها هو العاشق قد صل إلى معشوقه، والتلميذ إلى أستاذه، والسالك إلى منارته.
كربلاء المدينة التي لم تكن في خطبه عنوانًا، بل كانت منهجًا، المدينة التي علّمته أن الشرف لا يُقاس بالعمر، بل بموقف، وأن الهزيمة ليست في القتل، بل في الركوع. اليوم تُفتح له الأبواب التي طالما طرقها بالدعاء، يدخلها محمولاً على الأكتاف كما دخلها الحسين من قبل على الرماح. فرقٌ بين الدخولين، ولكن الهدف واحد: إحياء الأمة.

هنا عند الضريح، عند قبة الحرية، قامت الملايين لتقول له بصوت واحد:
“يا سيدي… سرنا على دربك.
لم نبدل، ولم نخن، ولم نساوم. دمك صار مدرسة، ووصيتك صارت دستورًا، واسمك صار هتافًا لا يموت”

وبعدها من كربلاء ها هو يعود إلى حيث بدأ، إلى مشهد، إلى مدينة الرضا، إلى الأرض التي شهدت أول صرخة له عام 1939، إلى الحاضنة التي ربته، والعلم الذي رضعه، والهواء الذي تنفسه أول مرة. ها هو يعود اليوم لا كضيف، بل كابنٍ عاد إلى بيته ليرقد بجوار من تربى على حبه، علي بن موسى الرضا عليه السلام

وهكذا اكتملت الرحلة كما بدأت، من مشهد الميلادإلى طهران القيادة. إلى قم والنجف… إلى كربلاء العهد. ثم عودةً إلى مشهد الوداع_
وعند قبة الرضا،كان الوداع الأخير،
لقد كانت رحلته من طهران إلى كربلاء أطول من خريطة، كانت خريطة روح لا خريطة جغرافيا،
بدأها بكلمة، وختمها بدم.
بدأها في غرفة بسيطة، وختمها في حضن الشهداء.
وربما هذا المشهد التاريخي سيجبر العالم على ردم أحكامه المسبقة، على وقع دموع المحبين، بأن الشرعية لا تُصنع في صناديق ممزقة ولا ديمقراطية اختصرت في صناديق الاقتراع، لكنها تُكتب بحبر هذا الحضور البشري غير المسبوق.
فنحن لا نصف رجلاً يجلس خلف طاولات الدرس، بل نصف حارسًا كان يرى في الفقه نبضًا حيًا يحرك الميدان. لقد كان سماحته يمثل القوة الممانعة التي وقفت سدًا منيعًا أمام مشاريع الهيمنة.
فإن سألوك: أين دُفن؟
قل: دُفن حيث كان يعيش في قلوبنا.
وإن سألوك: هل مات؟
قل: الشهيد لا يموت، بل ينتقل من قيادة الجسد إلى قيادة الضمير
ونحن على العهد… وعلى الدرب

شاهد أيضاً

مشاهد لافتة: طيور الجنوب تعد أعشاشها من خيوط محلقات الـ FPV!

ترى.. هل تعرف هذه الطيور البرية الحقيقة الساطعة أكثر من بعض بني البشر الجائرين المتخاذلين؟ فهذه …