ترى.. هل تعرف هذه الطيور البرية الحقيقة الساطعة أكثر من بعض بني البشر الجائرين المتخاذلين؟ فهذه الأطيار أبت إلاّ أن تنتقي بعناية خيوط محلقات الرجال الفولاذية ونسجتها خيوطاً من عزٍّ وشرف وكرامة!
كتب الدكتور عبدالله ذبيان
هناك في جنوب لبنان موئلٌ لكل ما هو عاشق لأديم الأرض وثرى الأجداد، ومرادف لتمسّك الأنام بكافة مخلوقاتهم بالجذور، حتى الطيور التي تعشق الطيران هناك، لا تبارح أرض الجنوب اللبناني الرافدة، متشبثةً به، بافياء الأشجار الوارفة، ورقرقارت ينابيع المياه الدافقة.
“حتى العصافير في الجنوب لا تغرّد عبثاً، لكل رفرفة حكاية، ولكل جناح ذاكرة، ولكل صباح وعدٌ بأن الأرض تعرف أبناءها. و كأن المكان نفسه يعلّم كل من يحيا فيه معنى التمسك بالأرض والكرامة”، تقولها الناشطة اللبنانية هيلين الغضبان.
أمّا الدكتور هشام نبيه أبو جودة فينبري بوجد ليكتب “عصافير بلادي في جنوب لبنان ،تحيك أعشاشها من خيوط “الفايبر-أوبتيك” التي استخدمها الرجال المقاومون في تصنيع مسيّرات الـ FPV.
خلال العدوان على جنوب لبنان، برزت المحلقات “الانقضاضية” الموجّهة بالألياف الضوئية كعامل ميداني ضاغط أعاد خلط حسابات الاشتباك، ليس فقط من حيث القدرة التدميرية، بل من زاوية تأثيرها المباشر على منظومات الرصد والتشويش لدى “الجيش الإسرائيلي”.
وتمثّل مسيّرات الـFPV الموجّهة بالألياف الضوئية تحوّلاً بنيوياً في مفهوم الحرب غير المأهولة، إذ تقوم فكرتها على التخلي الكامل عن البثّ اللاسلكي لصالح اتصال فيزيائي مباشر عبر كابل (خيط( بصري فائق الرقة.
هذه المحلّقات المزوّدة بخيطان الألياف الضوئية،هي التي أرّقت ضباط وجنود جيش الاحتلال، وجعلت وجودهم في مواقع احتلوها مؤقتاً في جنوب لبنان بمثابة جحيم.

Screenshot
ترى.. هل تعرف هذه الطيور البرية الحقيقة الساطعة أكثر من بعض بيني البشر الجائرين المتخاذلين أو الذين على أعينهم غشاوات لا تنقشع على ما يبدو؟ نعم يا قوم فهذه الأطيار انتقت “بعناية ربانية” خيوط محلقات الرجال فنسجتها خيوطاً من عزٍّ وشرف وكرامة!
أعشاش من أوراق الغار
أعشاش مصنوعة من أوراق الغار، و أغصان الزيتون ، و مجبولة بتراب العز ، و رائحتها الجميلة، كلها كرامة و عنفوان .. حتى العصافير، تفهم من أين يأتي الشرف و التقدير و الأمل و الآمان..؟”
ومن رحم الهضاب التي أدمنت رائحة التبغ والشهادة، يولد مشهدٌ خارجٌ عن مألوف الحروب. هناك، في جنوبٍ يَغزلُ من خيوط الشمس عباءاتٍ للحرية، لم تعد ألياف الطائرات المُسيّرة مجرد مُركّباتٍ صمّاء من “الكاربون” و”الفايبرجلاس” (Carbon Fiber)، لقَد حوّلها نبضُ الأرض إلى شيءٍ يشبهنا، شيءٍ من لحمِنا وحلمِنا.
ربط قشّ الأرض بـ”ألياف المسيّرة”
تلك الألياف المتينة التي عبرت السحاب لتصنع معادلات الردع، عادت اليوم لتستريح في أحضان البيوت العتيقة، ليتلقفها طيرٌ جنوبيٌّ ذكيّ. عصفورٌ تمرّد على قسوة القذائف، ولم يجد ملاذاً لأفراخه أأمن من بقايا “أجنحة العزّ”.
في زاويةِ شرفةٍ قاومت العاصفة، أو على غصنِ زيتونةٍ داست فوق المجزرة، يغزل العصفور عُشّه الجديد. يربط قشّ الأرض بـ”ألياف المسيّرة”، فيمتزج الترابُ المقاوم بالتكنولوجيا التي أدّت قسطها للوطن.
أيّ سرياليةٍ مجيدةٍ هذه؟
المحلّقة التي أربكت غطرسة الحديد، تتحول أليافها الدقيقة إلى مهادٍ دافئٍ لعصافير تولد في قلب المعركة. وكأنّ هذه الطيور، بوعيها الفطريّ، تقرأ في تلك الألياف كتاب الأمان، تعلم أنَّ جسداً صَنَع الحماية للسماء، جديرٌ بأن يحرسَ جيل السنونو القادم.
هو الجنوب.. يرفض أن يموت، ويصرُّ على أن يُلبس أدوات حربه ثوب الحياة. ألياف مسيّراتنا ليست مجرد سلاحٍ غادَر منصته، بل هي شريانٌ ممتدٌّ من عناد المقاتل إلى منقار العصفور، لتظلَّ الحكاية مشبوكةً بالدم والأمل: من هنا مرَّ نصرٌ، ومن هنا طارَ غدٌ مجنّح.
هندسةُ البقاء: من السلاح إلى العشّ
يُعد جنوب لبنان جزءاً أساسياً من المسار العالمي للطيور المهاجرة (ثاني أهم مسار عالمياً)، وهو موطن لتنوع طبيعي غني. يضم بيئات تتراوح بين السواحل والوديان الخضراء.م
ويمتد موسم التعشيش والتكاثر بشكل أساسي في فصل الربيع (بين شهري آذار/ مارس وآب/ أغسطس)، إلا أن بعض الأنواع تبدأ مبكراً في شهر شباط/ فبراير.
ووفق صفحة “الجنوبيون الخضر” تزخر مناطق جنوب لبنان بتنوّع بيولوجي غنيّ بفضل طبيعتها المتنوعة ومسارات الهجرة الرئيسية. تشمل أبرز الأنواع المستقرة والمهاجرة: الطيور المائية (مثل البلشون الساحر على ضفاف نهر الوزاني)، الطيور المغردة والعصافير (مثل بلبل الشعير، النعار، ،الدوري الحسون وغيرها).
تحمل العصافير بمنقارها الصغير تِلكَ الألياف المتينة والخفيفة، المغزولة بعرق العقول المقاوِمة، وتطير بها نحو سنديانات “عيتا” و”مارون” و”الخيام” وقرى الجنوب الجميلة بحللها الخضراء القشيبة.
تصنعُ منها أعشاشاً لا تشبه أعشاش العالم. إنها مهاجع “مُصفّحة” بروح الصمود، عصيّةٌ على الرياح العاتية، ومحميةٌ ببركة العابرين فوق السحاب لحماية الأرض.

Screenshot
-متانةٌ ومقاومة: هذه الألياف المصممة لتحمّل الضغط الجوي والسرعات العالية، باتت اليوم تحمي بيوضَ الدوريّ والسنونو من قسوة الطبيعة.
-تلاحُم البيئة والمقاومة: في هذا المشهد، يتجلى التلاحم العضوي بين الطبيعة وأهلها.. فحتى الطيور ترفضُ ما هو غريب عنها، وتختار “صناعة محليّة” بامتياز لتربية فراخِها.
وتستخدم الطيور هذه الكابلات فائقة النحافة (التي تشبه خيوط العنكبوت) وتدمجها مع الحشائش لبناء أعشاش متماسكة.
رمزيةٌ تُحاكي الأمل
إنّها رسالةٌ بليغةٌ من طبيعة الجنوب: كلُّ ما ينتمي إلى المقاومة يُحيي، وكلُّ ما يتركه الشهداء والمجاهدون في الفضاء يتحوّل إلى حجر أساسٍ للحياة والاستمرارية.
بينما يزرع العدوُّ الموت والخراب، تعيد عصافير الجنوب تدوير أدوات الردعِ لتصنع منها مهد الحياة القادمة.
إنه غزلٌ من نوعٍ آخر، غزلٌ بين طيورٍ تشدو للحرية، ومُسيّراتٍ حلّقت لتضمنَ بقاء تلك الحرية.
فالأمل في الجنوبِ ليس مجردَ فكرة، بل هو عُشٌّ يُبنى بألياف العزّة، وفراخٌ ستكبر يوماً لتطير في سماءٍ طهّرتْها أجنحة المقاومة.
طوبى لبلاد تعرف بأهلها وناسها ومخلوقاتها اللطيفة من هو عدوها، ومرحى لللطيور والعصافير التي تعشق الحرية والطيران..
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net



