:لعن الله صناع الإفك:

صابرين

سأحدثكم عن أمةٍ اكتشفت يوم الوداع، أنها لم تكن تشيع جسداً ؟
بل كانت تشيع زمناً كاملاً من الصمود !

أقنعونا عقوداً بأن ايران تعيش على الخوف فإذا بها تبكي بحرية ؟
أنها أمة محكومة بالحديد فإذا بقلوبها هي التي تحكم المشهد؟
وأقنعونا كذلك أن العقوبات
ستجعلها تركع ؟
فإذا بها تحوّل الحصار إلى صناعة والتهديد إلى علم والدم إلى سيادة!
فأي مدرسة هذه التي تخرّج
شعباً لا يفرّ من النار!
بل يدخلها وهو يهتف لله؟
وأي عقيدة هذه التي تجعل الأم تزف ابنها إلى الجبهة كما زفت زينب
إخوتها إلى كربلاء؟
لا تقولوا لي إنها “السياسة” ؟
فالسياسة وحدها لا تصنع هذا العشق؟

ولا تقولوا إنها “الدعاية” ؟
فالدعاية قد تصنع تصفيقاً؟
لكنها لا تصنع دموعاً ؟
الدموع لا تكذب ؟
كاميرات فضائيات العالم وهي تظن انها
توثق في الحقيقة هزيمة سرديتها كلها؟
سنوات طويلة كانوا يحدثوننا عن إيران التي يجب أن نخاف منها؟
ولم يحدثونا عن إيران التي استطاعت وهي تحت الحصار؟
أن تبني معاملها وتعلّم أبناءها وتصنع صواريخها ؟
وتفرض نفسها رقماً لا تستطيع أمريكا ولا إسرائيل شطبه من خرائط العالم؟
الغريب… ليس أن الغرب جهل إيران
الغريب أننا نحن أيضاً صدقنا جهله؟!
صدقنا نشراته وصدقنا شاشاته؟
وصدقنا أن الطائفية علم
وأن الكراهية وعي ؟!
حتى أصبح بعضنا يعرف أسماء وزراء واشنطن أكثر من تاريخ قم أو مشهد
النجف أو كربلاء؟
لكن الدم…لا يعترف بالخرائط؟
ومن تربّى في مدرسة الحسين يعرف
أن الحدود اي حدود
لا تمنع العمق ؟
وأن الكرامة لا تُترجم، لأنها تُفهم
بالفطرة؟
لقد ظنوا أنهم حين اغتالوا القائد..سيقطعون الطريق؟
ولم يدركوا أن بعض الرجال يتحولون
بعد موتهم إلى طريق؟
هذه هي عقدتهم مع كربلاء منذ ألف
وأربعمائة عام؟
يقتلون الجسد فتولد الفكرة؟
يهدمون البيت… فتبنى أمة؟
ويحسبون أنهم ربحوا المعركة؟
ثم يستيقظون ليجدوا أن التاريخ كله
صار يتكلم بلغة الشهيد؟
رجلاً أدى أمانته، ثم عاد إلى الله؟
تاركاً خلفه أمةً تعرف جيداً أن الطريق إلى القدس… لا يمر إلا من كربلاء؟
لهذا أبكي اليوم لا لأن قائداً رحل؟
بل لأنني أتذكر كم صار عدد الذين
يعيشون لأنفسهم كبيراً ؟
وكم صار عدد الذين يعيشون
لقضاياهم قليلاً؟
أبكي لأنني أرى في هذا الوداع امتداداً
لدرس قديم
تعلمناه من الحسين ؟
أن الإنسان قد يُهزم عسكرياً وينتصر
تاريخياً؟
وقد يُقتل جسداً ويولد أمة؟
وقد يُدفن تحت التراب بينما ترتفع
روحه فوق حدود الجغرافيا
والطوائف والأزمنة؟

رحل السيد…
لكن السؤال بقي واقفاً بيننا كجبل :
كم من الناس سيموتون هذا العام؟

وكم من الرجال سيبقون أحياء بعد
موتهم؟
ذلك هو الفرق بين من يمر في التاريخ…
ومن يصبح جزءاً منه.

“صابرين.. تونسية مقيمة في باريس”

شاهد أيضاً

شكراً لشعب العراق… حين تكلمت الملايين أكدت أن التاريخ لا يُفصل بين الشعوب.

  الإعلامية جمانة كرم عياد. لم يكن ما بعد التشييع في العراق مجرد مشهد جماهيري …