مقا_ومة لبنانية للدفاع عن الأشرفية

بقلم علي خيرالله شريف

إذا تأمَّلنا المشهد اللبناني بمنظور وطني من الناحية المفاهيمية، نجد الكثير من العشوائية والعنصرية في التربية الوطنية. فلو أخذنا مفهوم “المقا_ومة” ومفهوم الحرب الأهلية ومفهوم الدفاع عن الوطن، نجد الالتباس والتباين واضِحَين في إدراك المواطنين لها. فبعض المواطنين يتجنبون استرجاع تعابير ومفردات الحرب الأهلية، والبعض الآخر يستحضرونها دائماً ويخلطون بينها وبين المقاومة، ويعتبرونها وحدها دفاعاً عن الوطن. ولكي يشوهوا المفاهيم أكثر، عن سابق تَصَوُّر وتصميم، يتهمون من يقاوم دفاعاً عن الوطن بأنه يعمل لحساب الدُوَل التي تدعمه. ومن ناحية ثانية ينسقون مع عدو الوطن لكي يضرب هؤلاء المدافعين عنه. وللأسف، يَتَوَرَّط رئيسا الجمهورية والحكومة بالتعاون والتعاطف مع هذا البعض، عبر أدائهما السياسي الحالي وعبر التفاوض المباشر مع العدو وعقد اتفاقات مفضوحة معه، وعبر قرارات الحكومة بتجريم المقا_ومين، وعبر سحب الجيش من المواجهة مع العدو والتحضير لزَجِّه في حروب داخلية معروفة الأهداف.
وفي تشويهاتهم هذه تَنَكُّر للتاريخ والجغرافيا، وتبرير لأطماع العدو ودعم لأكاذيبه المفضوحة أمام الرأي العام العالمي.

راقبوا اليمين اللبناني، فهو يستعمل بشكل متكرر ومركز، على سبيل المثال لا الحصر، عبارات تذكر بالحرب الأهلية ليسمي نفسه مقا_ومة، مثل الدفاع عن الأشرفية وعن زحلة وعن عين الرمانة وغيرها، ويبرر تعاونه مع العدو من أجل ذلك. بينما يستحضر الفريق الآخر معارك الدفاع عن لبنان جنوباً وشرقاً.
ففي السلوك الأول نكئ لجراح الوطن وتحريض على الفتنة الداخلية، ولا نجد في قاموسه أي ذكر لأي بطولة له دفاعاً عن حدود لبنان، لا من الجنوب ولا من الشرق ولا من البحر ولا من الفضاء.
وفي السلوك الثاني طرح لمعاني ومسببات الوحدة الوطنية. فأي السلوكين يعتبر ضرورياً لوحدة الوطن؟

وبلغ الأمر في أداء اليمين اللبناني، أنه يدافع عن إسرا_ئيل بشراسة ويُنكِرُ بالنيابَةِ عنها ما لم تستطع هي إنكاره عن مطامعها في لبنان والمنطقة كافة، بل ما اعترفت به جهراَ وتكراراً على ألسن قادتها ووزرائها. وهم بذلك يسهلون مهمة العدو نكايةً بشركائهم في الوطن.

ابحثوا في تاريخ الأوطان والأمم، تجدوت أن الدول التي تتعرض لقلاقل داخلية، تتوَحَّد مُكَوِّناتُها أمام أي عدوان الخارجي ، حتى اليمينية منها، تنسى خلافاتها وتتوحد من أجل الوطن. إلا في لبنان، فاليمين اللبناني ينتهز فرصة العدوان الخارجي للإمعان في شرذمة الوطن. ويستعمل من أجل ذلك الشحن المذهبي والشتم والتخوين والتحدي والسخرية. مقابل كل ذلك، لا يوجد سلطة ضابطة لسلوك المواطن، ولا لأداء الأحزاب والمجموعات. ولا يوجد سلطة قضائية تحاسب منتهكي الدستور والقانون ومُهَدِّدِي السلم الأهلي. حتى أن الكثيرين من الوزراء والنواب، لا يأتون إلى البرلمان والسراي الحكومي من أجل الوطن ككل، بل يتقوقعون في طائفيتهم وأفكارهم القبلية(بفتح الباء وبتسكينها) ويتصرفون، ليس كرجال دولة، بل انطلاقاً من قوقعتهم القبلية(بتسكين الباء).

لا يمكن للبنان أن يعيش بهكذا عقليات، ولا يمكن إنقاذه بهكذا مسؤولين. فلا حلَّ لأزماته إلا إذا تولى قيادته رجال دولة حقيقيين، مختلفين تماماً عن الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام وعن أمثالِهِما. فللأسف هذان الرئيسان ينخرطان في الفتنة وفي إطاعة العدو وشركائه في الخارج، ويزيدان من شرذمة لبنان، ويهددان مستقبله بالتقسيم. لأنهما يهملان مصلحة الشعب اللبناني، ويعملان بالإملاءات الخارجية، ولا يديران آذانهما داخلياً إلا لليمين اللبناني.

يبدأ إنقاذ لبنان مما يُهَدِّدهُ من أخطار بُنيَوِيَّة، بأن يتَوَلَّى قيادَتَهُ رجالُ دولةٍ حقيقيين، ويُعاد النظر بأمرين بالغَي الخطورة والأهمية:

الأمر الأول كتاب التربية الوطنية، لإصلاحه وإنتاج كتاب جديد تتم إضافته إلى المناهج التعليمية في الصفوف كافة بحسب الفئات العمرية والمستويات التعليمية،

والأمر الثاني فرض تعليم تلك الكُتُب ومراقبة ذلك بشكلٍ دقيق ونزيه وصارم، وتقويم مُخرجاتِهِ، واتخاذ القرارات التصحيحية اللازمة لأي خطأ، واتخاذ الإجراءات الصارمة بحق المتساهلين في عمليات إكساب الكفايات التربوية المتعلقة به.

إن الدولة هي بمثابة رب البيت بالنسبة لشعبها، وهي تتولى عمليات وضع البرامج التربوية لتنشئته. وقد أدَّى تقصير الحكومات المتعاقبة التي تدير شؤون الدولة إلى تغييبها عن عائلتها(شعبها)، فأنتج ذلك عشرات الاتجاهات التربوية التي تناقض بمعظمها التربية الوطنية الحقيقية، وبات يوجد في لبنان عشرات الاتجاهات التربوية على الصعيد الوطني.

يجب أن نعرف جميعاً أنه لا يمكن بناء وطن لكل أبنائه إلا بذهنية الدفاع عن الوطن ضد أي عدوان، وليس بالذهنيات الفتنوية التي ترفع شعارات المقا_ومة للدفاع عن الأشرفية وعين الرمانة أو الشياح، لأن هذه الذهنيات لا تخدم إلا الدوافع التقسيمية وتخدم العدو وغاياته لالتهام أوطاننا وتهجيرنا، مهما كانت البيئة الطائفية أو السياسبة التي ننتمي إليها.

الخميس ٩ تموز ٢٠٢٦

شاهد أيضاً

التشييع المليوني للإمام الشهيد علي خامنئي، عندما تتحول الجنازة إلى استفتاء شعبي ورسالة تحدٍ للولايات المتحدة وإسرائيل

كتب إسماعيل النجار *لم يكن التشييع المهيب للإمام الشهيد علي خامنئي حدثاً عادياً في تاريخ …