كتب إسماعيل النجار

*لم يكن التشييع المهيب للإمام الشهيد علي خامنئي حدثاً عادياً في تاريخ إيران أو المنطقة، ولم يكن مجرد مراسم وداع لقائد ترك بصمته على امتداد عقود من الصراع والتحولات الكبرى. لقد تحول المشهد إلى استفتاء شعبي واسع وإعلان سياسي مدوٍّ تجاوز حدود الجمهورية الإسلامية ليصل صداه إلى واشنطن وتل أبيب وكل العواصم المنخرطة في الصراع الدائر على مستقبل المنطقة.
فالحشود المليونية التي تدفقت إلى الشوارع والساحات لم تكن مجرد أرقام أو صور عابرة أمام عدسات الكاميرات، بل كانت تعبيراً عن إرادة شعبية رافضة للخضوع والإملاءات الخارجية. وحتى وسائل الإعلام الغربية، التي اعتادت تقديم إيران بوصفها دولة تعيش انقسامات داخلية وأزمات متفاقمة، وجدت نفسها أمام مشهد استثنائي فرض عليها الاعتراف بحجم المشاركة والزخم الشعبي الذي رافق مراسم التشييع.
لقد حملت تلك الحشود رسالة واضحة مفادها أن سياسة الاغتيالات والحروب والعقوبات لم تنجح في كسر إرادة إيران أو دفعها إلى التراجع عن خياراتها الاستراتيجية. بل على العكس، بدا المشهد وكأنه إعلان جماعي بأن الدماء التي تُراق في ساحات المواجهة تتحول إلى وقود جديد للاستمرار والصمود، وأن استهداف القادة لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار المشاريع التي يمثلونها، بل قد يمنحها زخماً إضافياً ويعيد إنتاجها بقوة أكبر.
وفي البعد الإقليمي، لا يمكن فصل هذا الحدث عن طبيعة المواجهة المفتوحة بين محور المقاومة من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فالتشييع المليوني لم يُقرأ فقط باعتباره مناسبة إيرانية داخلية، بل كرسالة سياسية ونفسية تؤكد أن المواجهة لم تنتهِ، وأن القوى التي راهنت على إضعاف إيران عبر الاغتيالات والضغوط العسكرية والاقتصادية قد تجد نفسها أمام واقع أكثر تعقيداً مما كانت تتوقع.
كما أن هذا المشهد أعاد التأكيد على حقيقة كثيراً ما حاول خصوم إيران تجاهلها، وهي أن الصراع في المنطقة لا يُحسم بالتفوق العسكري وحده، بل يرتبط أيضاً بعوامل الإرادة الشعبية والقدرة على التعبئة والصمود. وعندما تخرج ملايين الجماهير لتشييع قائدها في لحظة من أكثر اللحظات حساسية، فإنها لا تودع الماضي فحسب، بل ترسم ملامح المرحلة المقبلة وتعلن استعدادها لتحمل تبعاتها.
إن التشييع المهيب للإمام الشهيد علي خامنئي لم يكن خاتمة لمسيرة سياسية بقدر ما كان بداية فصل جديد من فصول الصراع. وقد يكون من المبكر تحديد جميع نتائجه وتداعياته، لكن المؤكد أن الصور التي خرجت من طهران ستبقى حاضرة في حسابات الخصوم والحلفاء على حد سواء، لأنها حملت رسالة واحدة لا لبس فيها: المشاريع الكبرى لا تُدفن برحيل قادتها، بل كثيراً ما تزداد حضوراً وتأثيراً عندما تمتزج بالرمزية والتضحيات والذاكرة الشعبية.
بيروت في،، 9/7/2026
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net