
وقَّعت الدكتورة راوية المصري روايتها الثامنة: “أنا إبنة زوجي” في قاعة “مجلس بعلبك الثقافي”، بحضور النائب ينال صلح، الوزير السابق الدكتور حمد حسن، العميد عباس منذر ياغي، رئيس قسم محافظة بعلبك الهرمل دريد الحلاني، رئيس اتحاد بلديات بعلبك حسين علي رعد، رئيس بلدية بعلبك أحمد زهير الطفيلي ونائبه عبد الرحيم شلحة، رئيس منتدى بعلبك الإعلامي حكمت شريف، وحشد من الفاعليات الثقافية والسياسية والتربوية والاجتماعية.
استهلت الأمسية ب”ريبورتاج” مصوّر من إعداد الإعلامية إسراء الرشعيني، وتولّت إدارة الحفل زينب قصاص، مؤكدة أن “وطننا نتنفس حبه، وينتصر على الدوام بفضل إرادة المقاومة ووعي اللبنانيين”.

شريف
ورحب رئيس مجلس بعلبك الثقافي حاتم شريف، بالحضور على طريقته، فقال:
“مبارح مرق بالحي بياع الكلام
حامل ع ضهرو كيس ماشي عالهدا
شو عندك بهالكيس قلتلو أوام
بدي حكي مش قايلو قبلي حدا
قال لي الحكي ل غير شكل غالي بهالظروف
بالسوق مش كل الحكي اسمه حكي
وبالكيس مش باقي نقط باقي حروف
جيب النقط عن تاج المملكة
ت رحِّب بأحباب ما رح اشتكي
كلمة هلا بالربع ترحيب بعلبكي
وع الهلا بهالعين العز بيتكي
فرحي يا غلا والفرحة لكِ”.
وألقى قصيدة وطنية، باللهجة العاميَّة، تحت عنوان: اختلاف الثقافات في الوطن الواحد، نقتطف منها:
“نحن أخوة مهما صار
وبدنا نكيد الأعادي
مهما الدهر علينا جار
نقسم سوا الزوادي
مني عم اكشف أسرار
وبأعلى صوت بنادي
مش نحن// الله اللي اختار
يخلق هالجنة زيادة
موضعها ع حدود النار
فردوس وفوق العادة
وبشماله دار بعشتار
موطن مهد الصيادي
مهما زتوا علينا اخبار
وتحكّم فينا السادي
الأشراف بأرضي قنطار
الكل بيعبدها عبادة
التفوا حولها بآذار
الفصح ب مجد مجادي
والفطر الكان ب نوّار
العيد المفعم بسعادة
وبتشرين الثاني في نهار
رح يبقى مكلّل بالغار
بلبنان بموطن عشتار
بغير العزة مش راضي”.

عون
ورأى رئيس بلدية الفاكهة الجديدة العميد المتقاعد محبوب عون أن “هناك من يكتب ليحكي قصة، وهناك راوية المصري التي لا تستطيع الصمت، فهي لا تكتب لتزين الواقع، بل لتكشف ما يخفيه، ولا تبحث عن بطل خارق، بل عن الإنسان البسيط الذي يحاول أن ينجو من قسوة الحياة بأعجوبة”.
واعتبر ان “في أعمال الروائية المصري نجد المرأة والطفل والمهاجر والفقير والمهمش، لا بوصفهم شخصيات ورقية، بل بوصفهم وجوهًا تشبهنا جميعا. ولذلك استطاعت روايتها أن تعبر الحدود، وأن تجد مكانها بين القراء والباحثين والجامعات”.

الهاشم
ورأى الأديب والشاعر الياس الهاشم في دراسته النقدية للرواية، أن “الكتاب عند راوية المصري، رواية دون مقدمة، لكنها وضعت الإهداء توطئة في أول صفحة، تختصر فيها مفاصل الرواية بسيميائية تحمل الدلالات والرموز، وعلى القارئ أن يفك شيفرتها، تقول: “إلى كلّ طفلة نضجت قبل أوانها، وكل امرأة عوقبت على جريمة لم ترتكبها، إلى من عدن إلى بيوتهن محطمات ثم صمتن، هذه الحكاية من رحمهن ولدت، وبأسمائهن رويت”.
وأشار إلى أن”راوية تخط الخطوط الحمراء بشجاعة أدبية تشبه مشرط الجراح الذي يسيل الدم، يستأصل المرض، ومن ثم يخيط الجرح كي يشفى مريضه. بدأت الكاتبة تروي أحداث روايتها مباشرة بصيغة الماضي الذي حدّد زمان القص: “كنت فتاة صغيرة في عاصفة أكبر من قلبي”، وبلمحة خاطفة حدّدت المكان: “فتاة نشأت في بيت يرفع صور الأولياء على الجدران، بينما الزنا يرتدي ثوب الحلال، والشهوة تشتعل تحت مطر بارد، وسماء تلد الظلام”.
وتابع: “تبدأ الرحلة مع البطلة “رحيل” الفتاة التي ولدت تتلعثم في الكلام، لكنها حلوة. وراحت الكاتبة تسرد تفاصيل الرحلة مع “رحيل” فحمَّلت بطلتها كل ما يجول في فكرها، وأرادت أن تبوح به على لسانها، وأن ترفع الستار عن المسكوت عنه في المجتمع من خزعبلات وتقاليد بالية مجها الزمن، وانتهت صلاحيتها، لكنها تبقى صالحة للاستعمال في بلد يتداوى بالأدوية المنتهية صلاحيتها، ظنًّا منه أن الحياة ليس فيها تحوّلات، وما كان يصلح من ألفي عام، يصلح اليوم”.
وأضاف: “راوية المصري تتحدث على لسان رحيل، عن الخيانة والغدر والفساد الاجتماعي، وعن مصادرة حق المرأة باسم الأعراف، والتقاليد، والشرع، والدين، وقتال الإخوة… وتجمع في رحيل الأنثى كل رحلات القهر، والعذاب، والسكوت على الإهانات، والتنمُّر، والاغتصاب، وتزويج القاصرات، والتسلُّط الذكوري في مجتمع يبيح للذكر كلّ المحظورات، دون أن يبيح له الرجولة، ويحرِّم على المرأة البوح عمَّا في داخلها، ويغلق فمها وروحها وقلبها، بأمر من حاكم اسمه العيب”.
واردف: “تُحيك راوية مفاصل القصة بأسلوب أدبي مبدع، تُلبس الكلمات أناقة الأنين والوجع والدمع، وتعرج على المسكوت عنه بالشرائع والتربية والسياسة، وتربط رحيل بتفاصيل الحرب، والتهجير، والموت، والجوع، والتسول، والقتل في الأزقة والشوارع، والسرقة، والمخدرات، والاغتصاب، والرّصاص العشوائي. وتفرد في الرواية حكايا تدور حول رحيل العقدة، تحت عناوين مختلفة تعالج فيها القضايا على طريقة علماء الفلسفة والطب النفسي، وتربطها ارتباطا وثيقًا بمجريات الأحداث، تشدّ من خلالها القارئ إلى معرفة الحصيلة والهدف، حيث يصل في النهاية إلى كشف المسكوت عنه والمستور بغطاء الرذيلة والفساد الأخلاقي”.
وختم الهاشم مؤكدًا أن “راوية المصري قلم حر جريء، قاربت الحديث عن المحرمات بثقافة راقية، وحملت قضية أن السكوت على الجريمة جريمةٌ موصوفة، إيمانا منها أن الأدب الذي لا يحمل قضايا الأمة والإنسان هو أدب ميت، والأدب الذي لا يحدث انقلابًا وتغييرًا في بُنية المجتمع نحو الأفضل هو أدب لا يساوي مع صاحبه ثمن الحبر الذي كتب فيه… لأنك إذا شعرت بالألم فهذا يعني أنك حيّ، وإذا شعرت بألم الآخرين فأنت إنسان”.

المصري
وتحدثت الروائية المصري، فقالت: “في كل مرة أعود إلى بعلبك، أشعر أنني أعود إلى الذاكرة الأولى التي تشكَّلت قبل أن أعرف اسمي، وإلى الحكايات التي سمعتها وأنا طفلة، قبل أن أتعلم كيف أكتبها، وإلى الأصوات والوجوه والطرقات التي صنعت شيئا من شخصيتي وكلماتي، فالمكان الحقيقي ليس إحداثيات على خارطة بل هو ما يسكن فينا حين نغمض أعيننا”.
وتابعت: “بعلبك بقيت حاضرة في لغتي، قبل أن تحضر في عنواني، وفي جوارحي، قبل أن تحضر في ذاكرتي لذلك أشعر أن توقيع روايتي بينكم ليس مجرد مناسبة أدبية، بل لحظة وفاء للمكان الذي علمني أنّ وراء كلّ وجه حكاية، ووراء كلّ صمت قصة تستحق أن تروى”.
ورأت أن “رواية “انا ابنة زوجي” ليست عن شخصيات بعيدة عنَّا، بل هي نحن حين نُجرّد من أسمائنا وصفاتنا الاجتماعية، وهي أسئلة الهوية والانتماء حين نتعرَّى من كلّ شعار، وهي الألم والقوة، حين يتَّحدان في كائن واحد، ليصبحا معًا سبيلًا للبقاء. كتبتها وأنا أؤمن أن الأدب لا يغير العالم دفعة واحدة، لكنه يجعلنا أكثر قدرة على فهم بعضنا بعضًا، وأكثر رحمة بالإنسان أينما كان”.
وتوجهت المصري بالشكر إلى “كل من ساهم في إنجاح هذه المناسبة، وللحضور الذين شاركوني فرحتي بولادة طفلي الثامن، وشكرا لبعلبك التي كلما عدنا إليها اكتشفنا أن الحكايات تبدأ منها، وان ما يُكتب بصدق، يجد دائمًا طريقه إلى القلوب”.
وختامًا وقَّعت الكاتبة روايتها للحضور.

مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net