عبد الحليم قنديل
لا أحد يملك الجزم بأن الحرب الأمريكية “الإسرائيلية”على إيران انتهت إلى غير رجعة ، رغم التأكيدات الواردة فى صدر مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية أو الاتفاق الإطارى ، ورغم استمرار المفاوضات الجارية فى سويسرا وغيرها للتوصل إلى اتفاق نهائى ، ورغم التحسينات الإجرائية لإطار التفاوض الجارى ، والاتفاق على تشكيل لجان خبراء لبحث ملفات لبنان والملف النووى والعقوبات وأموال إيران المجمدة وغيرها ، ورغم إنشاء خط اتصال مباشر للبحث أولا بأول فى مشكلات طارئة حول مضيق “هرمز” وجواره ، ويكاد لا يمر يوم وربما ساعة ، من دون أن يعود الرئيس الأمريكى البهلوانى العشوائى “دونالد ترامب” للتهديد بالعودة للحرب ، وإلقاء القنابل على رأس إيران ، وهو ما يرد عليه المسئولون الإيرانيون بلغة رصينة مدروسة ، مفادها “إن عدتم عدنا” ، فالأيادى على الزناد فى كل وقت ، والخسارة التى تكبدها “ترامب” فى معارك الأربعين يوما الأولى ، تقبل التكرار ربما بما هو أفدح .
أكثر من ذلك ، هناك خرق “إسرائيلى” متفاقم متصل لشروط وقف النار ووقف الحرب على جبهة لبنان بالذات ، وشروط طهران قاطعة ، فالبند الأول من مذكرة التفاهم التى جرى توقيعها إلكترونيا على المستوى الرئاسى ، ونصوصها قطعية فى وقف الحرب على جميع الجبهات ، وبما فيها لبنان ، وأن واشنطن ملزمة بردع حلفائها ، وأولهم كيان الاحتلال “الإسرائيلى” ، وحفظ سلامة ووحدة وسيادة لبنان على أراضيه كلها ، وبما يعنى ببساطة ، أن المطلوب ليس فقط أن تتوقف “إسرائيل” عن إطلاق النار فى لبنان ، بل أن تنسحب تماما من الجنوب اللبنانى حفظا لسلامة وسيادة البلد ، وهو ما يخلق صداعا مزمنا لإدارة “ترامب” ، التى تشتبك مع “إسرائيل” فى ملاسنات حادة ، وتعجز عن ردع التوحش “الإسرائيلى” وحروبه الإبادية فى لبنان وفى “غزة” ، بل ترتد الضغوط على حكومة “بنيامين نتنياهو” إلى مصاعب مضافة لإدارة ترامب فى واشنطن ، ومعروفة هى قوة اللوبى الصهيونى فى واشنطن ، خصوصا مع تصاعد الانتقادات العنيفة لحرب “ترامب” على إيران ، وما انتهت إليه حتى اليوم من استسلام أمريكى شبه شامل لمطالب إيران ، وانضمام مجلس الشيوخ إلى مجلس النواب فى إلزام “ترامب” بعدم شن حرب جديدة على إيران إلا بتصريح من الكونجرس بمجلسيه ، وتمرد قطاعات فى الحزب الجمهورى على “ترامب” ، وانضمامها لمعارضة “الحزب الديمقراطى” للحرب ، ووصول نسبة المعارضين للحرب على إيران إلى أكثر من 70% فى استطلاعات الرأى العام الأخيرة ، وهو ما يحاول “ترامب” التصدى له ، والمزج بين تهديداته الفارغة لإيران ، وسوق أكاذيب عن تراجعات جوهرية مزعومة لإيران فى التفتيش النووى وغيره ، وهو ما تنفيه إيران قطعيا .
ورغم غرق “ترامب” فى أوهامه وهلاوسه الشخصية ، وتواصل عيشه فى فقاعته الذاتية ، إلا أن الوقائع الملموسة أقوى من تخيلات الرئيس المهووس ، فلا يجادل عاقل فى حقيقة ما جرى إلى اليوم ، وهو يعكس فوزا ظاهرا لإيران ، سواء فى صمودها الحربى المذهل ، أو فى جرأة ومخاطرة قيادتها الجديدة بعد اغتيال المرشد السابق “آية الله على خامنئى” صباح أول أيام الحرب ، التى أغرى “نتنياهو” الرئيس الأمريكى بخوضها معه ، وعلى أمل بفوز سريع فى غضون أيام ، وهو ما تحقق عكسه بالضبط ، وتوطد استقرار وتماسك النظام الإيرانى ، ومقدرته على إلحاق ضربات مدمرة بعشرات القواعد الأمريكية فى المنطقة ، وبقاعدة واشنطن الأكبر ممثلة فى كيان الاحتلال “الإسرائيلى” ، وكان الذى سارع لوقف إطلاق النار الأول فى 8 أبريل الماضى هو الرئيس الأمريكى ، وبدأت بعدها رحلة التفاوض غالبا فى “إسلام أباد” الباكستانية بدعم صينى ، وكان الطرف الإيرانى صاحب المبادرة التفاوضية ، من ورقة النقاط العشر إلى مذكرة الأربعة عشر بندا ، وأزاحت إيران عن الطاولة تماما نقاطا رئيسية ، من نوع بحث برنامجها الصاروخى الباليستى ، أو تناول علاقاتها مع الحلفاء من جماعات المقاومة العربية ، بل وفرضت إيران اعترافا واقعيا بمشروعية علاقاتها مع “حزب الله” اللبنانى بالذات فى البند الأول من مذكرة التفاهم ، وكان الغالب على المذكرة ، وقد نشرت نقاطها مرارا فى وسائل إعلام إيرانية وأمريكية ، أن حجم تعهدات وتنازلات واشنطن يفوق بكثير حجم التعهدات الإيرانية المحدودة ، وكانت صياغة فقرات التعهدات الأمريكية قاطعة مفصلة ، بينما الإشارات إلى التعهدات الإيرانية عامة وحمالة وجوه . ولم يكن التفوق الإيرانى فى التفاوض آتيا من فراغ ، فالفروق هائلة لصالح الإيرانيين فى نوعية المفاوضين ، خذ عندك ـ مثلا ـ مقارنة “عباس عراقجى” مع المفاوضين الأمريكيين من نوع “ستيف ويتكوف” و”جاريد كوشنير” صهر “ترامب” ، “ويتكوف” و”كوشنير ” مقاولان وباعة عقارات ، بينما “عراقجى” أستاذ جامعى وصاحب كتاب “قوة التفاوض” ، وكان عنصرا رئيسيا فى فريق “جواد ظريف” وزير الخارجية الإيرانى الأسبق المقرب من الرئيس الإيرانى “مسعود بزشكيان” اليوم ، وقد كان “ظريف” نجم مفاوضات ماراثونية مطولة مع الأمريكيين والأوروبيين وروسيا والصين ، واستطاع مع فريقه فى النهاية الوصول إلى ما عرف بخطة العمل المشتركة أو “اتفاق أوباما” عام 2015 ، الذى خرج منه “ترامب” عام 2018 فى زمن رئاسته الأولى ، وردت القيادة الإيرانية بالتحلل من التزامات نسبة التخصيب النووى المتفق عليها وقتها (3.67% ) ، وزادت نسبة التخصيب إلى ما فوق الستين بالمئة ، وهكذا خلق “ترامب” بحماقاته مشكلة لنفسه ولأمريكا و”إسرائيل” ، وصارت كمية يورانيوم التخصيب العالى المقدرة بنحو 450 كيلوجراما ، هى العنوان الأشهر لمأزق أمريكا النووى فى إيران .
ومعنى ما جرى إلى اليوم ببساطة ، أن إيران حققت صمودا باهرا مذهلا فى ميدان الحرب ، واحتفظت وأضافت إلى وسائلها القتالية والصاروخية باعتراف تقارير المخابرات الأمريكية ذاتها ، ثم أضافت إلى حسابها تفوقا ظاهرا فى جولات التفاوض وثمارها ، وكسبت هدوءا نسبيا منحها فرصا لاستعداد عسكرى أكبر ، وتستمر فى التفاوض بما يحفظ مصالحها ، ولا تبدو مستعدة لتقديم أى تنازل فى الملف النووى ، ولا فى ملف “مضيق هرمز” ، الذى حولته طهران إلى قنبلة نووية سياسية واقتصادية عالمية ، وأعلنت أنها لن تطلب رسوم عبور من السفن المارة بالمضيق خلال فترة الستين يوما من المفاوضات ، لكنها تنسق مع “سلطنة عمان” جنوب المضيق لصياغة وضع جديد بعدها ، يتلقى فيه البلدان رسوم خدمات وتأمين وحفظ بيئة لا رسوم عبور ، بعد أن ظهر “مضيق هرمز” ـ فى مذكرة التفاهم ـ كشأن إيرانى خاص ، وقايضت إيران فتحها التدريجى للمضيق خلال ثلاثين يوما ، مع الإنهاء الفورى للحصار البحرى الأمريكى على الموانئ الإيرانية ، ومع انسحاب لاحق للقوات الأمريكية البحرية والجوية من محيط إيران فى ختام فترة التفاوض القابلة للتمديد ، وسند إيران فى التشدد التفاوضى ، أنها تحتفظ بكامل السيطرة الذكية على مجرى مضيق “هرمز” ، بينما خسرت أمريكا كل محاولاتها العسكرية للسيطرة على المضيق ، أو الحد من السيطرة الإيرانية هناك ، ثم استخدمت إيران سيطرتها على المضيق ، مع ضرباتها للقواعد الأمريكية فى الخليج ، ونجحت فى كسب تعهد أمريكى بالإفراج عن الأموال المجمدة تباعا ، وبحث الرفع الكامل للعقوبات الأمريكية والدولية ، وتعهد واشنطن بجمع استثمارات لصندوق إعادة إعمار لإيران ، تبلغ قيمته 300 مليار دولار ، قالت القيادات الأمريكية مثل “جى.دى. فانس “نائب الرئيس الأمريكى ، أن دول الخليج العربية ستدفع المبلغ الفلكى ، ومن دون أن تدفع واشنطن سنتا واحدا .
وإضافة لكل ما حصلت عليه إيران من تعهدات المزايا المالية ، وبما فيها الإلغاء المبكر للعقوبات الأمريكية على تصدير البترول الإيرانى ومشتقاته والمنتجات البتروكيماوية ، فقد حصلت إيران ـ أيضا ـ على ميزة استراتيجية كبرى ، فقد كان العنوان الأول للحرب “الإسرائيلية” بالجيوش الأمريكية ، أن تؤدى إلى شرق أوسط خالص تابع للقيادة “الإسرائيلية” ، وتتفكك معه إيران نفسها ، وهو ما يتحقق عكسه بعد أربعة شهور حربا وتفاوضا ، فقد تقدمت إيران إلى مركز اللاعب الرئيسى ـ ربما الأول ـ فى الشرق الأوسط الجديد ، وأضافت إلى نفوذها الإقليمى السابق تأكيدا بحركة النار وحرائقها ، وكدنا نكون أمام خليج جديد ، وربما شرق أوسط جديد ، خليج جديد بغلبة القوة الإيرانية ، وشرق أوسط جديد بقيادة إيرانية غالبة ، وبخرائط حلفاء متعددين شرق البحر المتوسط وشرق البحر الأحمر ، وتلك خرائط ترسم حدودها بالنار والدم ، وباستعداد لمواصلة الحرب إلى أمد بعيد ، وبتفاقم الخلافات التكتيكية بين الحليفين المندمجين استراتيجيا واشنطن وتل أبيب ، وبضياع الأطراف العربية المعنية فى زحام التفاصيل ، مع تبين خواء الاعتماد على قواعد الحماية الأمريكية ، التى لم تحم نفسها ولا حمت أحدا ممن دفعوا تريليونات الدولارات إلى “ترامب” ، وهم مطالبون اليوم بدفع مئات المليارات إلى طهران بأمر أمريكى ، بعد تدمير سمعة اقتصاداتهم الريعية وأمنها بحرب الآخرين .
Kandel2002@hotm
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
