🚩 ما كشفته عاشوراء هذا العام ..؟ عن أصل حزب الله ..؟

عباس المعلم – كاتب سياسي

ليس إحياء العاشر من محرّم بمسيراتٍ حاشدة تمتدّ على مساحة الوطن حدثًا استثنائيًا بحدّ ذاته؛ فهو تقليدٌ راسخ يتجدّد كل عام وفاءً لنهضة الإمام الحسين عليه السلام.

غير أنّ الاستثنائي هذا العام يكمن في الزمان والظرف والبيئة التي خرجت منها هذه الحشود، وهي البيئة نفسها التي تتعرّض منذ ثلاثة أعوام لحربٍ متعددة الوجوه: عسكرية واقتصادية وسياسية وثقافية وإعلامية، بلغت في الأشهر الأخيرة مستوى حرب وجودٍ مفتوحة تستهدف الإنسان والأرض والهوية والانتماء.

أن تخرج مئات الآلاف من بين الأزقة التي لا تزال تفوح منها رائحة الدم والبارود، وأن تسير فوق طرقاتٍ تعانق ركام البيوت المهدّمة، وتحت صور الشهداء الذين ارتقوا، وآخرين لا يزال مصيرهم معلقًا بين الغياب والانتظار، فذلك ليس مشهدًا عاطفيًا عابرًا، بل إعلانٌ سياسي وعقائدي بأن الحروب قد تهدم الحجر، لكنها تعجز عن اقتلاع العقيدة التي تبني الإنسان.

في الضاحية الجنوبية، اصطفّت مئات الآلاف كالبنيان المرصوص، تلبيةً لنداء «لبيك يا حسين» و«هيهات منا الذلة»، في المسيرة التي دعا إليها حزب الله، وهو يخوض مواجهةً وجودية تستهدف كيانه وبيئته وخياراته.

لم يكن الحشد مجرد استجابة لدعوة تنظيمية، بل تجديدًا للبيعة لنهجٍ يرى في كربلاء مرجعيته العقدية، وفي المقاومة امتداده الطبيعي في هذا العصر.

صحيح أن عاشوراء تعود كل عام، لكن رسالتها هذا العام جاءت مختلفة في دلالاتها، وفي حجم الحضور، وفي مستوى التنظيم والانضباط، وفي مضمون البيعة التي بدت وكأنها استفتاء شعبي على الثبات لا على التراجع.

لقد اجتمعت على هذا النهج أدوات القوة والمال والحصار والتجويع والتشويه والحرب النفسية، أملاً في كسر إرادته أو سلخه عن جذوره، فإذا به يخرج أكثر رسوخًا، تمامًا كما انتصر دم الحسين على سيوف الطغاة قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، حين سقطت القوة وبقيت القضية.

اليوم لم يشاهد خصوم حزب الله وأنصاره حجم الحشد فحسب، بل عاينوا أصل هذا الامتداد ومصدر بقائه.

ذلك الأصل الذي تُبذل في سبيله الأرواح والدماء والبيوت والأرزاق، ليس وليد ظرفٍ سياسي أو تحالفٍ عابر، بل هو امتدادٌ لعقيدةٍ بدأت مع عاشوراء سنة إحدى وستين للهجرة، ولا تزال تُعيد إنتاج حضورها مع كل جيل، كلما ظنّ الطغاة أنهم طووا صفحتها.

ولهذا، فإن حزب الله والمقاومة لا يمكن اختزالهما في إطار تنظيم أو مؤسسة أو تشكيل عسكري، ولا في أعدادٍ أو بنيةٍ مادية قابلة للقياس.

إنهما، في نظر جمهورهما، تعبيرٌ عن نهجٍ متصل الجذور، يستمد شرعيته من منظومةٍ عقدية وتاريخية تتجاوز حدود الجغرافيا وتقلبات السياسة.

وما عجزت سيوف كربلاء عن اقتلاعه بالأمس، لن تفلح في اقتلاعه اليوم أحدث ترسانات القتل والإبادة، لأن الصراع في جوهره ليس على أرضٍ أو قوةٍ فحسب، بل على هويةٍ ترى في الحسين مشروعًا دائمًا، وفي المقاومة امتدادًا لذلك المشروع ما بقي للحق أنصار وللظلم خصوم.

 

شاهد أيضاً

إيران والإمارات تبحثان المستجدات الإقليمية وتعزيز الاستقرار

تلقى نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الاماراتي عبدالله بن زايد، اتصالاً هاتفياً من وزير …