
الكمان ليس آلةً أعزف عليها، بل صوتي حين تعجز الكلمات عن الوصول.
الإبداع لا يُولد من الألم وحده، بل من القدرة على تحويله إلى جمالٍ حيّ.
الحنين هو الذاكرة العاطفية للعالم حين تتعب الحقيقة ويُرهق الإنسان.
حوار الاستاذة رحاب هاني خطار
في هذا الحوار الذي أجرته الأستاذة رحاب هاني خطار لمجلة كواليس مع الفنان جهاد عقل نقترب من الكمان لا بوصفه آلةً، بل كامتدادٍ لصوتٍ داخليّ يختزن التجربة بين الألم والجمال، ويعيد صياغة الحياة على إيقاعٍ لا تقوله الكلمات.
1- متى شعرتَ للمرة الأولى أنّ الكمان لم يعد آلةً بين يديك، بل جزءًا من صوتك الداخلي وقدرك الشخصي؟
سؤالٌ فاجأني فعلًا. الكمان بالنسبة لي ليس مجرد آلة، بل هو صوتي وجزء من كياني.
عندما دخلت الساحة الفنية وخضت تجارب الحياة، اصطدمت بكثير من الحقائق التي لم أكن أتوقعها. كنت شابًا في بداية الطريق، أؤمن بالصدق والمحبة والتعاون، لكنني اكتشفت أن بعض الناس يحملون في داخلهم الكراهية أو الحسد، وأن آخرين يجيدون التمثيل وإظهار المودة بينما يخفون عكسها.
هذه الصدمات ولّدت داخلي شعورًا بالخذلان أحيانًا، لأنني بطبيعتي إنسان أؤمن بالعلاقات الصافية وبصدق المشاعر. ومن هنا بدأت أجد في الكمان مساحة للتعبير عمّا أعجز عن قوله بالكلمات. كان صوتي يعلو من خلاله، وكأنني أواجه به كل ما يؤلمني، وأدافع عبر أوتاره عن قيم الحب والوفاء والصدق والصداقة الحقيقية.
ومع الوقت، ولا سيما بعد أن شققت طريقي المستقل وصرت أصنع تجربتي الخاصة كـ«جهاد عقل»، تحوّل الكمان إلى منبر أوصل من خلاله رسالتي إلى الناس. كانت معركتي الدائمة أن أجعل هذا الصوت يحمل الإحساس والروح والمشاعر الصادقة، لأن أكثر ما يحزنني في الحياة هو غياب هذه القيم أو تراجعها بين البشر.
لذلك أرى أن الموسيقى ليست مجرد ألحان، بل لغة للحق والجمال، ورسالة قادرة على أن تلامس القلوب عندما تعجز الكلمات عن ذلك.
⸻
2- من أيِّ رحمٍ يولد الإبداع الموسيقي برأيك؟
أعتقد أن الإبداع يولد من قوة المعاناة، لا من المعاناة بحدّ ذاتها. فالمعاناة لها وجوه كثيرة؛ قد تكون اجتماعية أو مادية أو نفسية، وقد تتجلى بألوان متعددة من الوجع الإنساني. أما الإبداع الحقيقي، فهو القدرة على تحويل هذا الألم إلى طاقة خلاقة وإلى فعلٍ من الجمال.
بالنسبة لي، ما صنع تجربتي الفنية خرج من رحم المعاناة التي عشتها في حياتي. لذلك أؤمن أن وراء كل إبداع حقيقي قصةً أو تجربةً أو جرحًا ما، لأن الإبداع لا يُمنح على طبقٍ من ذهب، بل يُولد من رحلة طويلة من البحث والتحدي والمواجهة.
كما أن الإبداع ليس نوعًا واحدًا؛ فهناك إبداع صادق يحمل قيمةً ورسالةً وأثرًا، وهناك ما قد يكون عابرًا أو فارغًا من المعنى. وما يبقى في النهاية هو ذلك الإبداع الذي يلامس الإنسان ويعبّر عن حقيقة عميقة في داخله.
أما أنا، فأشعر بشيء من الخجل عندما أصف ما أقدمه بالإبداع، وأفضّل أن أقول إنه تجربة أو حالة خاصة تشكّلت من مجمل ما عشته واختبرته في هذه الحياة
3- هل الموسيقى بالنسبة إليك ملاذًا للهروب من العالم، أم مواجهةً أعمق مع نفسك؟ ومتى شعرتَ أنّ الكمان لم يعد مجرد آلة، بل كان منقذك الحقيقي؟
أعتقد أن الموسيقى كانت بالنسبة إليّ الأمرين معًا: هروبًا ومواجهة.
اليوم ألجأ إليها أحيانًا لأبتعد عن ضجيج الواقع. أحب أن أعيش حالتي الموسيقية بكل تفاصيلها؛ أجلس في مكتبي، أهيّئ المكان كما أحب، أستعين بالإضاءة الخافتة والشموع، وأترك للروح أن تسافر. وعندما أبدأ بالعزف أو بتسجيل مقطوعة منفردة على الكمان، أشعر وكأنني أنتقل من سماء إلى أخرى، فأبتعد عن الواقع بكل ما فيه وأدخل عالمًا خاصًا لا يشبه إلا الموسيقى. لكن هذا التحليق لا يدوم إلى الأبد، فمع عودة الحياة اليومية أشعر أحيانًا وكأنني أهبط مجددًا إلى الأرض بعد رحلة روحية عالية.
وفي المقابل، كانت الموسيقى أيضًا واحدة من أعظم مواجهاتي. مررت في مراحل كثيرة بمحاولات لإثبات الوجود، وكانت معركتي أن أجعل آلة الكمان تتصدر المشهد وأن تصل وحدها إلى الناس. فأن يقف عازف ومعه آلته فقط أمام جمهور كامل، ويحمّل الأوتار مسؤولية نقل المشاعر والأحاسيس من دون كلمات، هو تحدٍّ بالغ الصعوبة. إيصال ما لا يُكتب وما لا يُقال عبر الموسيقى وحدها كان من أصعب المواجهات التي خضتها في حياتي الفنية.
أما الكمان، فلم يكن يومًا مجرد آلة بالنسبة إليّ، بل كان المنقذ الحقيقي في محطات كثيرة من حياتي. رافقني في الحروب، وفي الظروف الصعبة، وفي اللحظات التي شعرت فيها بأن العالم يضيق من حولي. ومع الزمن تعلّمت أن أعتبره أقوى سلاح يمكن أن يمتلكه الإنسان، لا لأنه أداة للمواجهة بالمعنى التقليدي، بل لأنه يحتاج إلى سنوات طويلة من الصبر والعطاء والانضباط والتمرين حتى يصبح قادرًا على مخاطبة البشر جميعًا بمختلف ثقافاتهم وأحاسيسهم.
⸻
4- عندما تعزف منفردًا بعيدًا عن الجمهور، ماذا تقول للكمان ولا يسمعه أحد؟
عندما أعزف منفردًا، لا يكون هناك حديث واحد يتكرر دائمًا بيني وبين الكمان، لأن الأمر يرتبط بالحالة التي أعيشها في تلك اللحظة.
فإذا كنت حزينًا، أحمل كماني بطريقة تمنحني السكينة والطمأنينة، وكأنني أبحث من خلاله عن عزاءٍ داخلي يخفف وطأة ما أشعر به. أما إذا كنت غاضبًا، فأعزف بعنفوانٍ أكبر، وأطلق عبر الأوتار كل ما يختلج في داخلي من انفعالات، حتى أكاد أشعر أن الكمان يصرخ بين يديّ. عندها يتحول العزف إلى مساحة أفرغ فيها غضبي وأتخلص من ثقل المشاعر، فأخرج بعدها أكثر هدوءًا وراحة.
أما في اللحظات الروحانية، فإن الأمر يتجاوز الحزن والغضب معًا، فأشعر بأنني أتجلّى مع الموسيقى وأرتحل في عوالم بعيدة عن الأرض وضجيجها، وكأن الروح تعبر بين السماوات بينما يبقى الجسد في مكانه.
5- أخرجتَ آلتك الموسيقية من خلف المطرب إلى صدارة المسرح العربي بجماهيريّةٍ نادرة… كيف تشكّلت هذه الحالة؟
هذه قصة قريبة جدًا إلى قلبي.
في الماضي، كان دخول أي شخص إلى عالم الفن يتطلّب مسارًا طويلًا من التدرّج والمعرفة الحقيقية بالموسيقى. لم يكن الأمر لحظة وصول سهلة أو سريعة، بل كان طريقًا يُبنى خطوةً خطوة، من الأساس إلى القمة. وكان الفنانون في تلك المرحلة يتمتعون بثقافة موسيقية واسعة؛ عازفون ومطربون في الوقت نفسه، لديهم دراية حقيقية بالمقامات العربية وبطبقات الصوت وبأسرار الأداء.
مع مرور الوقت، وخصوصًا منذ التسعينات، بدأ المشهد يتغيّر. دخل إلى الساحة كثيرون، بعضهم أصبح من نجوم الصف الأول، لكن ليس دائمًا عبر مسار موسيقي عميق، بل أحيانًا اعتمادًا على الصوت فقط. وهنا أصبح الطريق أقصر، وكأن الباب فُتح بلا حراسة معرفية كافية، فصار الوصول أسهل مما كان عليه سابقًا.
أنا شخصيًا واجهت صعوبة في هذا التحوّل. كنت أتعامل مع موسيقى تحتاج إلى معرفة دقيقة بطبقات الصوت وببنية الأداء، بينما كنت أرافق مطربين لا يملكون دائمًا هذا العمق العلمي في فهم الصوت أو تقنياته. في الوقت نفسه، كنت عازفًا نشيطًا وطموحًا، أرغب في أن يكون للكمان حضوره الحقيقي، لكن أحيانًا كان هذا يسبب حساسية لدى بعض المطربين، لأن الآلة كانت تبرز بقوة أمام الصوت.
ومع كل ذلك، استمرّ الإصرار حتى وجد الكمان مساحته الطبيعية أمام الناس، وتكوّنت هويته الخاصة على المسرح.
⸻
6- عندما تقف على المسرح أمام جمهورٍ من ثقافات مختلفة، هل تشعر أنّ الموسيقى قادرة فعلًا على توحيد الناس أكثر من أي خطابٍ آخر؟
الموسيقى هي الوسيلة الوحيدة القادرة على جمع المشاعر الصادقة بين الناس، وهي الوحيدة التي تجعلهم يعيشون إحساسًا واحدًا، وكأنها توحّد المشاعر وتوحّد الأرواح والأحاسيس في لحظة واحدة.
بطبيعة الحال، تختلف الإحساسات من شعبٍ إلى آخر، وهذا الاختلاف بحدّ ذاته جميل. فعندما أعزف للشعب اللبناني أجد أن إحساسه جميل ومعبّر، وعندما أعزف للشعب السوري أجد أن إحساسه أعمق من اللبناني. أما الجمهور المصري فهو يتنعّم بالإحساس ويتفاعل معه بطريقته الخاصة، في حين أن الشعب المغربي والتونسي يتميّزان بتغلغل الإحساس في تجربتهما مع الموسيقى.
ومن الأمور التي أودّ الإشارة إليها أن الشعبين المغربي والتونسي ما زالا يحتفظان حتى اليوم بشغفٍ كبير تجاه الفن الشرقي وبصدقٍ واضح في التفاعل معه.
وبصراحة، أشعر أحيانًا بالأسف تجاه بلاد الشام، لما تتميّز به من مستوى معنوي وجمالي رفيع في تذوّق الفن والتفاعل مع جماله
7- متى يبكي الوتر؟ وهل تؤمن أنّ الكمان يحتفظ، مع السنوات، بشيءٍ من ذاكرة صاحبه ومشاعره؟
يبكي الوتر عندما تكون روح العازف متعبة، موجوعة، أو مثقلة بحزنٍ عميق لا يعود الكلام قادرًا على احتماله. عندها يخرج الصوت من الكمان كأنه دمعة، وكأن الآلة تتكلم بدلًا عني. وحين يبكي الوتر، لا أشعر بالانكسار، بل بالراحة؛ كأن الحزن إذا اكتمل في العزف يهدأ في الداخل ويترك فسحةً من سكون.
وأنا أؤمن أنّ الكمان يحتفظ بذاكرة صاحبه إذا بقي ملازمًا له عبر الزمن. هو لا يكون مجرد خشبٍ وأوتار، بل شاهدًا على حياة كاملة، وعلى ما يمرّ فيها من تعبٍ وفرحٍ وتحولات.
عندي أكثر من كمان يرتبط بي بعمق. كماني الأول ما زلت أحتفظ به؛ كلما رأيته أعود إلى البدايات، إلى التعب والتدريب الطويل، وإلى طفولةٍ لم تكن سهلة، كأنّه يعيدني إلى تلك المرحلة بكل ما فيها من وجعٍ وصبر. أشعر وكأن بيني وبينه حكاية لا تنتهي، كأننا عبرناها معًا.
وكماني الذهبي يفتح لي بابًا آخر تمامًا؛ باب النجاح، والحفلات، والمهرجانات، ووجوه الناس التي استقبلت الموسيقى بمحبة. حين أراه أستعيد لحظات الفرح والإنجاز، وكأنه يحمل ذاكرة الضوء في حياتي.
العلاقة بيني وبين الكمان ليست عادية أبدًا، هي حالة من التماهي؛ كأنّنا شيء واحد لا ينفصل.
⸻
8- بعد هذا الحضور العربي الواسع، كيف يحافظ جهاد عقل على الإنسان داخله بعيدًا عن الصورة التي يصنعها الجمهور للفنان؟ وهل تخاف أحيانًا أن تتحوّل الشهرة إلى قالبٍ يحجب التغيّر الحقيقي للإنسان؟
قال:
أرى في داخلي إنسانًا عاديًا جدًا، بسيطًا ومتواضعًا، يحب الناس والخير، وظلّ هذا الجوهر كما هو منذ الطفولة، مهما تغيّرت الحياة من حولي. أمّا ما تمنحه لي الموسيقى والجمهور، فيرفعني إلى حالات لا تُشبه الحياة اليومية؛ إلى عوالم من التأثير والهيبة والامتداد، كأنني أصل إلى أماكن ومراتب يصعب وصفها بالكلمات.
هناك، على المسرح، يحدث نوعٌ من الانقسام الجميل بين الإنسان والفنان. أشعر أحيانًا أنني أمتلك تلك اللحظة بالكامل؛ أسيطر على إحساس مئات الأشخاص، أوجّههم في رحلة واحدة، وأقودهم عبر الموسيقى كأننا جسدٌ واحد يتنفّس بالشعور ذاته. في تلك اللحظة يختلط في داخلي الفخر بالمسؤولية، والإحساس بالقوة مع رهبة التجربة.
لكن حين تنتهي الموسيقى وأغادر المسرح، أحتاج وقتًا لأعود إلى الأرض. كثيرًا ما أطلب هذا الصمت القصير، لأستعيد توازني بعد تلك الحالة العالية التي أعيشها أمام الجمهور.
ومع ذلك، لا أسمح للشهرة أن تغيّر جوهري أو حياتي الخاصة. أتعامل معها كحدثٍ عابر لا يمسّ حقيقتي اليومية، لأن الإنسان إذا فقد بساطته، فقد نفسه.
⸻
9- إذا كان عليك أن تختصر رؤيةً عن هذا الزمن… بين الاطمئنان والحنين، أيّهما يبقى في النهاية؟
أقول إنّ هذا الزمن متعب على نفسه، كأنّه فقد قدرته على أن يطمئن. الحقيقة باتت مثقلة، مشوّهة أحيانًا، والكذب يتكاثر حتى يلتبس على الناس وجه الحياة. كثيرون يعيشون وكأنهم يتحركون داخل نظامٍ بارد، بلا دفءٍ حقيقي، وكأن المشاعر تُدار بدل أن تُعاش.
الاطمئنان اليوم لم يعد حالة ثابتة، بل لحظات عابرة، متقطّعة، لا يمكن الاعتماد عليها كما في الماضي. هناك شيء مكسور في إيقاع الحياة يجعل الإنسان دائم الترقّب، دائم الحذر.
لكن رغم ذلك، يبقى الحنين هو الشعور الأكثر صدقًا. هو الشيء الوحيد الذي لا يتلوّن ولا يتبدّل، بل يعود بنا إلى ما كنّا عليه، أو إلى ما تمنّينا أن نكونه. وهو الذاكرة العاطفية للعالم حين تتعب الحقيقة ويُرهق الإنسان
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net