د. بسام أبو عبد الله .
الأربعاء 24 حزيران/يونيو 2026
شكّل السابع من أكتوبر 2023 صدمة تاريخية لإسرائيل، حتى إن كثيراً من السياسيين والباحثين الإسرائيليين والأمريكيين شبّهوا ذلك اليوم بـ«الحادي عشر من سبتمبر الإسرائيلي». ففي غضون ساعات انهارت صورة الدولة التي لا تُقهر، وسقطت فرضية أن التفوق العسكري والتكنولوجي قادر على توفير أمن دائم في ظل غياب حل سياسي عادل للقضية الفلسطينية.
لكن بعد أكثر من عامين ونصف على ذلك الحدث، لم يعد السؤال الأساسي هو ماذا جرى في السابع من أكتوبر، بل ماذا ترتب عليه، ومن الذي استفاد، ومن الذي دفع الثمن، وكيف يمكن تقييم نتائجه في ضوء التحولات العميقة التي أصابت فلسطين والمنطقة بأسرها.
أولا” – لا شك أن السابع من أكتوبر غيّر إسرائيل من الداخل ، وشكل هدية من السماء ل نتنياهو ، فقبل ذلك التاريخ كان بنيامين نتنياهو يمر بأخطر أزمة سياسية في حياته، وشهدت إسرائيل انقسامات غير مسبوقة بسبب مشروع تعديل القضاء، وخرج مئات الآلاف إلى الشوارع، وتحدث قادة أمنيون سابقون عن أخطار تهدد تماسك الدولة. ثم جاءت الحرب لتحول نتنياهو من رئيس وزراء محاصر إلى قائد حرب، وتأجلت مساءلته السياسية والقضائية، وعادت قضية الأمن لتصبح الأولوية المطلقة.
والأهم أن الحرب دفعت المجتمع الإسرائيلي أكثر نحو اليمين والتطرف، وعززت لدى قطاعات واسعة منه القناعة بأن الحل العسكري هو الخيار الوحيد ، والمفارقة أن نتنياهو نفسه كان قد اتُّهم لسنوات باتباع سياسة تقوم على إبقاء الانقسام الفلسطيني بين غزة والضفة الغربية، وأن السماح بتدفق الأموال القطرية إلى غزة كان جزءاً من سياسة تهدف إلى إضعاف مشروع الدولة الفلسطينية ومنع ظهور شريك فلسطيني موحد.
لقد اعتقدت إسرائيل أن إدارة الانقسام الفلسطيني تخدم مصالحها، لكن هذه السياسة انتهت إلى أكبر إخفاق أمني في تاريخها.
ثانياً – لا يمكن إنكار أن الفلسطينيين حققوا بعض المكاسب السياسية والأخلاقية المهمة ، فقد عادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي بعد سنوات من التهميش، وشهد العالم موجة تضامن غير مسبوقة مع الفلسطينيين، بما في ذلك تصاعد الأصوات اليهودية في الولايات المتحدة وأوروبا المنتقدة للحرب على غزة، والتي وصفت ما جرى بأنه إبادة جماعية.
وللمرة الأولى منذ عقود، وجد قادة إسرائيليون أنفسهم يواجهون اتهامات وملاحقات قانونية دولية، كما تصاعدت الدعوات إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية ، ومن الإنصاف القول إن التضحيات كانت دائماً جزءاً من مسار حركات التحرر الوطني، وأن كثيراً من الشعوب دفعت أثماناً باهظة قبل أن تنال حريتها واستقلالها ، لكن السياسة لا تُقاس فقط بعدالة القضية أو بحجم التضحيات، بل أيضاً بميزان النتائج !!!!
وهنا تبرز الحقيقة المؤلمة: فقد دُمّرت غزة بصورة غير مسبوقة، وتعزز اليمين الإسرائيلي، وتعمقت الانقسامات الفلسطينية، وتغيرت البيئة الإقليمية التي كانت تشكل عمقاً استراتيجياً لفلسطين. والسؤال الصعب هو: هل تكفي المكاسب الأخلاقية والسياسية لتعويض هذه الخسائر الاستراتيجية؟
ثالثا” – لا يمكن تجاهل أن مسار التسوية نفسه وصل إلى طريق مسدود. فالسلطة الفلسطينية اختارت منذ اتفاق أوسلو طريق التفاوض والحل السلمي، لكن النتيجة كانت استمرار الاستيطان وتآكل فرص إقامة الدولة الفلسطينية، وصعود تيارات إسرائيلية ترفض عملياً أي تسوية عادلة. كما نجحت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في استخدام الانقسام الفلسطيني لإقناع العالم بأنه لا يوجد شريك فلسطيني موحد للسلام.
ومن هنا، لا يبدو أن المأزق الفلسطيني ناتج فقط عن فشل خيار المقاومة المسلحة أو عن فشل خيار التسوية السياسية، بل عن غياب استراتيجية وطنية فلسطينية موحدة تجمع بين المقاومة والسياسة والدبلوماسية والعمل الشعبي ضمن رؤية واحدة. لقد كان الانقسام الفلسطيني، ولا يزال، نقطة الضعف الكبرى التي تسلل منها نتنياهو وتياره الرافض للحل السياسي.
رابعا” – لا يمكن فهم ما جرى بعد السابع من أكتوبر من دون النظر إلى التحولات الإقليمية الكبرى. فقد خرجت سورية، التي شكلت لعقود إحدى أهم الحواضن السياسية والشعبية للقضية الفلسطينية، من المعادلة بصورة دراماتيكية. فقد استضافت مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين عاشوا في المجتمع السوري وتمتعوا بامتيازات واسعة مقارنة بكثير من أماكن اللجوء الأخرى.
لكن ما حدث منذ عام 2011، وتورط حركة حماس في دعم التنظيمات الاسلاموية- الاخوانية ، والمشاركة في الأحداث بالمال والسلاح، واستغلال الحرية التي مُنحت لقياداتها بوصفها حركة مقاومة فلسطينية لا كفرع من جماعة الإخوان المسلمين، ترك جرحاً عميقاً في سورية، وأدى إلى تغيرات كبيرة في المزاج الشعبي السوري تجاه القضية الفلسطينية.
خامسا”- ان كثيرا” من السوريين الذين تربوا على أن فلسطين هي القضية المركزية خرجوا من سنوات الحرب بأسئلة مؤلمة ، فقد رأى جزء من الرأي العام السوري أن بعض تيارات الإسلام السياسي قدمت الانتماءات الأيديولوجية والمذهبية على الاعتبارات القومية، بل وعلى فلسطين نفسها ، وبالنسبة لكثيرين بدا الأمر وكأن فلسطين تحولت، لدى بعض القوى، من قضية تحرر وطني إلى ورقة سياسية وأيديولوجية تُستخدم في الصراعات الإقليمية.
وهذه مسألة شديدة الخطورة، لأن قوة القضية الفلسطينية لم تكن تقوم فقط على عدالتها القانونية والأخلاقية، بل أيضاً على وجود إجماع شعبي عربي واسع حولها ، وإذا تعرض هذا الإجماع إلى التآكل، أو إذا نشأت أجيال عربية ترى أن القضية استُخدمت في مشاريع أيديولوجية أو مذهبية لا علاقة لها بفلسطين، فإن ذلك ستكون له انعكاسات استراتيجية خطيرة على مستقبل الدعم الشعبي العربي للقضية الفلسطينية.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
