
الشيخ مظهر الحموي
ونحن نستقبل نفحات العام الهجري الجديد ، وتقف أرواحنا في رحاب ذكرى الهجرة النبوية المباركة ، تتجه الأبصار إلى ذلك الحدث الهائل الذي شكّل منعطفًا خالدًا في مسيرة الدعوة الإسلامية، ومحطةً فارقةً انتقل بها الإسلام من طور الاستضعاف إلى عهد التمكين ، ومن ضيق المحنة إلى سعة المنحة ، ومن ليل الاضطهاد الطويل إلى فجر الرسالة المشرق.
وإذا كانت الهجرة النبوية ذكرى تتجدد في وجدان الأمة عامًا بعد عام ، فإنها ليست مجرد صفحات تُطوى من سجل التاريخ ، بل هي مدرسة متكاملة في الإيمان والتضحية والصبر والثبات ، نستقي من معينها الدروس ، ونستلهم من نورها المعاني التي تهدي خطانا في واقعنا وحياتنا .
ولعل أول ما ينبغي الوقوف عنده في هذه المناسبة الجليلة، هو المكانة العظيمة التي أولاها المسلمون للهجرة حتى جعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مبدأً لتاريخ الأمة الإسلامية ، لما تمثله من تحول مصيري في حياة الرسالة المحمدية.
فقد كانت الهجرة الحد الفاصل بين مرحلتين: مرحلة الصبر على الأذى والمجاهدة في سبيل العقيدة ، ومرحلة بناء الدولة وإقامة المجتمع المؤمن الذي يحمل أمانة الدين إلى العالمين .
لقد كانت الهجرة رحلة إيمان قبل أن تكون رحلة إنتقال، وهجرة قيم ومبادئ قبل أن تكون هجرة أرض ومكان.
إنها هجرة من الظلم إلى العدل ، ومن الخوف إلى الطمأنينة، ومن قيود الجاهلية إلى رحاب التوحيد.
وقد تجلت فيها أسمى معاني اليقين بالله، حين خرج النبي ﷺ وصاحبه الصديق أبو بكر رضي الله عنه ، يقطعان الفيافي والقفار ، وتتعقبهما عيون قريش وسيوفها، حتى آويا إلى غار ثور ، وهناك تجلى معنى التوكل الحق حين قال النبي الكريم ﷺ لصاحبه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فكانت كلمة خالدة تختصر فلسفة النصر الإلهي وتبث في القلوب روح الثقة والثبات .
ولم تكن الهجرة فرارًا من مواجهة أو هروبًا من واقع ، وإنما كانت إنتقالًا واعيًا لبناء مجتمع يحتضن الرسالة ويحمي العقيدة ويصون كرامة الإنسان.
ولهذا قدّم المهاجرون أروع صور البذل والتجرد ، فتركوا أوطانهم وأموالهم وتجاراتهم وأهليهم إبتغاء مرضاة الله، مؤثرين سلامة الدين على متاع الدنيا الزائل.
كما سطر الأنصار رضي الله عنهم صفحةً ناصعةً من صفحات الإيثار والاخوة ، حين فتحوا قلوبهم قبل ديارهم لإخوانهم المهاجرين ، فقاسموهم المال والمسكن والمعيشة ، حتى غدت المؤاخاة بينهم معجزةً إجتماعيةً لم يعرف التاريخ لها نظيرًا .
ومن رحم تلك التضحيات الجسام ولدت دولة الإسلام ، وإنطلقت من المدينة المنورة إشعاعات الهداية إلى الآفاق، تحمل إلى البشرية رسالة الرحمة والعدل والعلم والعمران ، حتى أضاء نورها مشارق الأرض ومغاربها ، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
إن ذكرى الهجرة ليست عيدًا يُحتفى به ، وإنما هي وقفة مراجعة ومحاسبة، نسائل فيها أنفسنا: ماذا هجرنا إلى الله؟ وما الذي غادرناه من أهوائنا وعاداتنا وأخطائنا؟ فالهجرة الحقة لا تنحصر في إنتقال الأجساد، بل تمتد إلى هجرة الذنوب والمعاصي والآثام ، وهجر الغفلة إلى اليقظة ، وهجر التعلق بالدنيا إلى التعلق بما عند الله .
أفلا آن لنا أن نهجر ما ران على القلوب من قسوة، وما إستقر في النفوس من تقصير؟ أفلا آن لنا أن نستعيد من الهجرة معاني الصبر والثبات والعمل والبذل ، فنترجمها سلوكًا في بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا ومجتمعاتنا؟
وأفلا يجدر بأبنائنا أن يتعرفوا إلى تاريخهم الهجري المجيد، وأن يرتبطوا بأحداثه العظيمة ، فيكون حاضرًا في ثقافتهم ووعيهم كما يحضر التاريخ الميلادي في معاملاتهم وشؤونهم؟
ثم متى تدرك الأمة أن الهجرة كانت مشروع نهضة لا مجرد ذكرى ، وأن التمكين الذي تحقق للمسلمين لم يكن إلا ثمرة الإيمان الصادق والعمل الدؤوب والتضحية المستمرة؟ وكيف يليق بأمةٍ تتغنى بأمجاد الهجرة أن ترضى بالضعف والتفرق والتبعية، فيما تتعرض مقدساتها وأوطانها لألوان العدوان والتحديات؟
إن الهجرة النبوية دعوة متجددة إلى الإنتقال من واقع التراجع إلى آفاق النهوض ، ومن الإستكانة إلى الفاعلية، ومن التفرق إلى الوحدة ، ومن الإنشغال بصغائر الأمور إلى حمل همّ الرسالة والأمة.
وما أحوجنا اليوم إلى هجرةٍ صادقةٍ نحو الله ، هجرةٍ يترك فيها العاصي معصيته، ويغادر المقصر تقصيره ، ويهجر البخيل شحه، ويترك الغافل غفلته ، ويقبل الجميع على ربهم بقلوب منيبة ونفوس مخلصة.
فالدنيا ظل زائل ، والعمر مراحل معدودة ، والموعد بين يدي الله قريب ، والسعيد من جعل من الهجرة النبوية منارةً تهديه إلى طريق النجاة والفلاح .
نسأل الله تعالى أن يجعل ذكرى الهجرة باعثةً فينا روح الإيمان والعزيمة، وأن يرزقنا حسن الاقتداء بنبيه الكريم ﷺ ، وأن ينقل أمتنا من مواطن الضعف إلى ميادين القوة ، ومن الفرقة إلى الوحدة ، ومن المحنة إلى المنحة ، إنه ولي ذلك والقادر عليه سبحانه وتعالى .
أخوكم الشيخ مظهر الحموي
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net