في النقاش العام: إيران وأسطوانة العداء التاريخي

خالد بن سالم الغساني

يصر البعض على ترديد عبارة: إيران عدو تاريخي للعرب منذ ظهور الإسلام. ولإنها كذلك، فستظل كذلك حتى يفني الله الأرض ومن عليها. وتُطرح هذه الفكرة، باعتبار ان كل حدث جديد دليل عليها، وكل ازمة هي امتداد لصراع قديم يعود إلى مئات السنين.
و المشكلة أن هذه الطريقة في الاصرار على مثل هذا الطرح لا تساعد على الفهم الحقيقي للتاريخ الطويل من العلاقة بين الطرفين، بقدر ما تقطعه وتبسطه أكثر مما ينبغي.
صحيح أن العرب والفرس خاضوا حروب وصراعات في مراحل مختلفة من التاريخ، لكنهم عاشوا أيضاً قرون طويلة من التعايش والتبادل والتأثير المتبادل. فالتاريخ الذي قرأناه وتعلمناه وفهمناه بينهم، لم يكن حرب دائمة، كما أنه لم يكن سلام دائم. كان مزيج من هذا وذاك، مثل معظم أو كل العلاقات بين الشعوب والدول في هذا العالم، بل ربما هو أقل عداوة واخف ضراوة بكثير من عدوات واقتتالات شعوب ودول فرضت عليها الجغرافيا الجيرة.
إيران التي نتحدث عنها اليوم ليست هي الدولة الساسانية قبل الإسلام، وليست هي إيران الشاه، وليست هي بالضرورة كل الأنظمة التي تعاقبت على هذه الأرض عبر القرون. فالدول تتغير، والأنظمة تتغير، والتحالفات تتغير، بينما يبقى البعض يتحدث وكأن أربعة عشر قرن من التاريخ كانت مشروع واحد متصل ولم يتبدل.
والمفارقة أن اصحاب هذا الرأي يربطون بين احداث اليوم وصراعات قديمة جداً، لكنهم يتجاهلون حقائق أقرب. فإيران الشاه كانت حليف وثيق للولايات المتحدة وإسرائيل، بينما جاءت الجمهورية الإسلامية بعد الثورة بسياسات مختلفة تماماً. ولو كان التاريخ وحده هو الذي يحكم العلاقات، لما تبدلت هذه التحالفات أصلاً.
هذا لا يعني تبرئة إيران من سياساتها أو تجاهل تدخلاتها ومطامعها ومصالحها وتشابكات تلك المصالح والمطامع في المنطقة. فمن حق أي شخص أن ينتقد الدور الإيراني في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن. لكن النقد السياسي شيء، وتحويل التاريخ كله إلى قصة عداء أبدي شيء آخر.
لأن اختزال أزمات المنطقة في إيران وحدها لا يفسر ما جرى. فالعراق لم يدمره طرف واحد، وسوريا لم تنهكها جهة واحدة، ولبنان واليمن ليسا نتاج عامل واحد فقط. هناك أخطاء داخلية، وصراعات محلية، وتدخلات إقليمية ودولية متعددة، وكلها شاركت في صنع المشهد الذي نراه اليوم.
المشكلة في خطاب العداء التاريخي أنه يعفينا من التفكير. فبدلاً من البحث عن الأسباب الحقيقية لكل أزمة، نلجأ إلى تفسير جاهز يفسر كل شيء ولا يفسر شيئ في الوقت نفسه.
اؤمن بان الدول لا تتحرك بدافع الذكريات القديمة، وانما يكون تحركها دائماً بدافع المصالح والحسابات السياسية والأمنية اولاً. وهذا ينطبق على إيران كما ينطبق على غيرها. لذلك فإن فهم ما تفعله إيران اليوم لا يحتاج إلى العودة الى ألف عام، وانما إلى النظر في مصالحها وسياساتها الحالية، تماماً كما نفعل مع أي دولة أخرى.
يمكن أن نختلف مع إيران أو نعارض سياساتها، لكن ليس من الضروري أن نحول التاريخ كله إلى معركة مستمرة لا تنتهي. فالحاضر يُفهم بالحاضر أولاً، أما التاريخ فيساعدنا على الفهم، ولا يجب أن يتحول إلى قيد يمنعنا من رؤية الواقع كما هو.

خالد بن سالم الغساني
صلالة
13يونيو 2026م

شاهد أيضاً

*كشف الأرباح والخسائر من اتفاق أميركي إيراني – نقاط على الحروف*

ناصر قنديل نقاط على الحروف للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، يلتقي الخطابان الأميركي والإيراني عند …