*صراع الإرادات وفرض المعادلات في المنطقة قراءة في توازنات القوة بين الميدان والسياسة

*✍️: يوسف أبو سامر موسى*

لم تعد المواجهة الدائرة في المنطقة مجرد حرب عسكرية تقليدية أو جولة محدودة من جولات الصراع المفتوح بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة من جهة والولايات المتحدة والكيان الصهيوني وحلفائهما من جهة أخرى بل تحولت إلى صراع إرادات حقيقي تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية والاستراتيجية وتسعى من خلاله كل جهة إلى فرض معادلات جديدة ترسم ملامح المرحلة المقبلة.
لقد أظهرت الحرب الأخيرة أن التقديرات التي بُنيت عليها الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية لم تكن دقيقة بالقدر الذي رُوّج له فقد اعتقدت دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب أن بإمكانها تحقيق أهداف كبرى خلال فترة قصيرة وفي مقدمتها إضعاف إيران وإسقاط أو تغيير طبيعة النظام السياسي فيها وإنهاء ما تعتبره إسرائيل مصدر تهديد وجودي لمشروعها في المنطقة.
إلا أن الوقائع الميدانية جاءت مختلفة عن تلك التوقعات فبدلاً من أن تؤدي الضغوط العسكرية والأمنية إلى إضعاف الجبهة الداخلية الإيرانية أفضت إلى حالة من التماسك الوطني والالتفاف الشعبي حول الدولة ومؤسساتها وخياراتها السياسية، كما أن مشاهد استهداف المدنيين والأطفال وعمليات الاغتيال التي طالت قيادات بارزة ساهمت في تعزيز حالة التعبئة الشعبية وزيادة القناعة بضرورة الصمود والمواجهة.
وفي المقابل استطاعت إيران أن تستثمر عناصر القوة التي تمتلكها سواء على مستوى قدراتها العسكرية والتكنولوجية أو من خلال موقعها الجيوسياسي الحساس المطل على أهم الممرات البحرية في العالم إضافة إلى شبكة التحالفات الإقليمية التي تمتلك تأثيراً مباشراً في أمن الطاقة والتجارة الدولية الأمر الذي جعل أي مواجهة معها تتجاوز حدودها الجغرافية لتطال مصالح دولية واسعة.

*وحدة الساحات كعنوان للمرحلة*

من أبرز ما أفرزته المرحلة الماضية تمسك إيران بمبدأ “وحدة الساحات” باعتباره إطاراً سياسياً واستراتيجياً يحول دون عزل أي ساحة من ساحات المواجهة عن الأخرى ولذلك رفضت طهران محاولات الفصل بين الملفات الإقليمية وأصرت على أن أي تفاهم أو تسوية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار مصالح حلفائها وشركائها في المنطقة وفي مقدمتهم لبنان.
وقد شهدت الفترة الماضية محاولات متعددة لفصل المسار اللبناني عن المسارات الأخرى سواء عبر الضغوط السياسية أو المبادرات الدبلوماسية المختلفة إلا أن الموقف الإيراني بقي ثابتاً لجهة الربط بين الاستقرار الإقليمي الشامل وبين معالجة الملفات المتصلة بلبنان وفلسطين وسائر ساحات المواجهة.
وفي هذا السياق برزت تباينات داخلية لبنانية حول كيفية إدارة الملف التفاوضي مع الأطراف الدولية وحول الأولويات الواجب التركيز عليها في المرحلة الحالية كما تصاعد الجدل بشأن مدى قدرة المؤسسات الرسمية اللبنانية على حماية السيادة الوطنية وفرض شروطها في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة خصوصاً في ظل استمرار الخروقات الأمنية والعسكرية واستهداف القرى والبلدات الجنوبية.

*من معادلة الردع إلى معادلة فرض الشروط*

خلال الأشهر الماضية سعت إيران ومحور المقاومة إلى تثبيت معادلات ردع جديدة تمنع إسرائيل من توسيع دائرة العدوان إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت أن الكيان الصهيوني حاول اختبار حدود تلك المعادلات من خلال عمليات قصف متكررة واستفزازات ميدانية هدفت إلى قياس مستوى الردود المحتملة.
غير أن المفاجأة بالنسبة للقيادة الإسرائيلية تمثلت في انتقال إيران من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة بما حمل رسالة واضحة مفادها أن قواعد الاشتباك لم تعد حكراً على طرف واحد وأن أي محاولة لتغيير الواقع الميداني ستقابل بإجراءات مقابلة تعيد تثبيت التوازن.
ومن هنا برز الحديث عن معادلة جديدة تتجاوز إطار حماية منطقة محددة أو ساحة بعينها ( *الضاحية*) لتشمل المطالبة بوقف شامل للاعتداءات على كامل الأراضي اللبنانية وهو ما يُعد تطوراً سياسياً وميدانياً مهماً في سياق الصراع الدائر.

*بين التصعيد والتسوية*

التصعيد الحالي يثير تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت المنطقة تقترب فعلاً من لحظة تفاهمات كبرى بين الولايات المتحدة وإيران أم أنها ما تزال في مرحلة جس النبض ورفع سقوف التفاوض.
فالتاريخ السياسي للصراعات الكبرى يظهر أن كثيراً من الاتفاقات تُولد بعد مراحل من التصعيد الحاد ومحاولات فرض الوقائع بالقوة ومن هنا يمكن فهم جانب من الحراك العسكري والسياسي الراهن باعتباره جزءاً من معركة تحديد الشروط التي ستُبنى عليها أي تسوية مستقبلية
وإذا كانت إيران تسعى إلى تثبيت ضمانات تتعلق بأمن حلفائها ومصالحهم فإن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يحاولان في المقابل تحسين موقعهما التفاوضي قبل الوصول إلى أي صيغة نهائية وبين هذين المسارين تبقى المنطقة أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها احتمالات المواجهة مع فرص التسوية.

*لبنان أمام استحقاقات جديدة*

أما على المستوى اللبناني فإن أي تحول في المعادلات الإقليمية سينعكس حتماً على الواقع الداخلي فالتوازنات التي حكمت الحياة السياسية خلال السنوات الماضية قد تشهد إعادة صياغة وفقاً للمتغيرات الجديدة كما أن النقاش حول دور المقاومة ومستقبلها وموقعها في المعادلة الوطنية سيبقى حاضراً بقوة.

*ويبقى السؤال الأهم:* هل نحن أمام مرحلة تؤدي إلى تثبيت معادلات ردع جديدة تفرض انسحاب الاحتلال ووقف الاعتداءات على لبنان أم أن المنطقة لا تزال في بداية فصل جديد من فصول الصراع المفتوح؟
ما هو مؤكد أن ما يجري اليوم لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بل هو صراع إرادات حقيقي تسعى فيه القوى المختلفة إلى فرض معادلاتها وشروطها ورؤيتها لمستقبل المنطقة. وفي مثل هذه الصراعات لا تُقاس النتائج بحجم القوة العسكرية فقط بل بقدرة الأطراف على الصمود وإدارة التوازنات وتحويل الإنجازات الميدانية إلى مكاسب سياسية واستراتيجية دائمة.

*✍️ يوسف ابو سامر موسى باحث وكاتب سياسي / فلسطين.*
الاثنين 8 حزيران 2026

شاهد أيضاً

الأقاليم: إصلاح النظام لا تقسيم الوطن

‏أحمد سلطان السامعي أستغرب إستنفار البعض من الحديث عن نظام الأقاليم ( الفيدرالية) و إمكانية …