بقلم : أمين السكافي.
قد يستغرب بعض من يقرأ كلماتي ما الذي أعنيه بعنوان هذه الافتتاحية، وقد يكون على حق في ما يظن إذا كان ممن تملكت الهزيمة جوارحه، وسكن الخوف والرهبة قلبه، واعتاد أن يحني رأسه عند كل خطب جلل. وقد يكون من الذين اعتادوا سماع أبواق صناعة الهزيمة، والإنصات إلى أفكارهم التي تتماهى مع كلام العدو وتصريحاته، حتى بات من الصعب التمييز بين ما يقوله هؤلاء وما تردده غرف الدعاية المعادية.
وللأسف الشديد، نحن شعب اعتاد أن يصدق الآخر ولو كان عدواً، ولا يريد أن يرى حقائق الأمور كما هي، لأن رؤيتها قد تهز قناعات ترسخت عبر سنوات طويلة من الإحباط والانكسارات. قناعات تقوم على أنه لا شيء أمام الآخر، وأنه عاجز عن الفعل والتأثير وصناعة المعادلات. ومنذ زوال السلطنة العثمانية وما تبعها من تحولات كبرى، ترسخ في العقل الباطني للكثيرين شعور بالهزيمة وانعدام الثقة بالنفس وبالمجتمع، حتى أصبح البعض يرى الهزيمة قدراً محتوماً، ويرى النصر مجرد وهم أو حلم بعيد المنال.
لكن حديثي اليوم ليس لهؤلاء، بل لكل محب ومريد ومناصر للأحزاب والحركات والفصائل المقاومة، وفي مقدمتها المقاومة الإسلامية في لبنان، التي يسطر شبابها أروع الملاحم على تراب جبل عامل، ذلك الجبل الذي كان وسيبقى منارة للعزة والرفعة والثبات، وعنواناً لكل من آمن بأن الأوطان لا تُصان بالكلمات وحدها، بل بالتضحيات والصبر والإرادة.
إن صناعة النصر ليست حدثاً عابراً، وليست بياناً سياسياً يصدر في لحظة انفعال، وليست صورة تُلتقط على عجل أمام عدسات الكاميرات. صناعة النصر هي مسار طويل من الصبر والثبات والعمل المتواصل. هي قدرة الرجال على الوقوف عندما يتراجع الآخرون، وعلى التمسك بالموقف عندما تتكاثر الضغوط وتتعاظم التحديات. فالنصر لا يولد فجأة، بل يُصنع يوماً بعد يوم، وجهداً بعد جهد، وصبراً بعد صبر، حتى يصبح حقيقة تفرض نفسها على الميدان ثم على السياسة.
ولهذا نقول للجميع إن الميدان هو الذي يقرر ما يُكتب في صفحات المفاوضات والاتفاقيات، وليس العكس. نعم، نحن نرى ما ترونه في الأفق القريب، لكننا، وعلى عكس كثيرين، نحاول أن نرى الصورة كاملة لا جزءاً منها فقط. نرى ما يجري خلف الضجيج الإعلامي، ونرى كيف تتهاوى صورة الأسطورة التي طالما قيل إنها تمثل “الجيش الذي لا يقهر”، ونرى قادته يسعون بكل طاقتهم إلى الوصول لوقف لإطلاق النار، مستعينين بحلفائهم في الداخل والخارج للحصول عبر السياسة على ما عجزوا عن انتزاعه بالقوة في الميدان.
نعم، هناك دمار ودماء وألم ومعاناة، ولا أحد يستطيع إنكار ذلك أو التقليل من حجمه، لكن البشرية منذ فجر التاريخ لم تعرف كرامة بلا ثمن، ولم تعرف حرية بلا تضحيات. وثمن الكرامة كان دائماً صعباً، وثمن الحرب كان دائماً دماراً ودماء، لكن الشعوب التي تمسكت بحقوقها لم تكن تقيس الأمور بحسابات الربح والخسارة الآنية، بل بقدرتها على حماية وجودها وصون كرامتها.
وعن أي مفاوضات يتحدثون؟ وما الذي جرى في واشنطن حتى يُقدَّم على أنه تحول استثنائي؟ إن ما حصل، في نظر كثيرين، لا يرتقي إلى مستوى الأحداث الكبرى التي يُراد لها أن ترسم مستقبل المنطقة. وإذا كانت الدولة اللبنانية تفاوض عبر واشنطن، فإن السؤال الكبير يبقى: ماذا يفعل قائد الجيش العماد رودولف هيكل في إسلام آباد؟ وما هي الملفات التي يحملها معه؟ وما طبيعة النقاشات التي سيجريها مع المشير عاصم منير؟ وما هي العناوين الحقيقية التي تقف خلف هذه الحركة السياسية والعسكرية في هذا التوقيت الحساس؟
ولعل الجنرال هيكل، بحكم خلفيته العسكرية والأمنية، يدرك أكثر من غيره حقيقة ما يجري في الميدان الجنوبي. فهو يرى، كما يرى كل مراقب محايد، أن الهمجية الصهيونية استطاعت أن تخلي مساحات واسعة من الجنوب من المدنيين، لكنها في المقابل وضعت نفسها في مواجهة مقاتلين متمرسين، يعرفون الأرض كما يعرفون تفاصيل عقيدتهم القتالية، وأصبحت هذه القوة التي دخلت الجنوب تترقب أي وقف لإطلاق النار، ولكن بشرط أن يحفظ لها شيئاً من ماء الوجه، وهو أمر يبدو بالغ الصعوبة في ظل الوقائع الميدانية القائمة.
وما يزيد المشهد دلالة، في نظر مؤيدي هذا الطرح، أن قنوات التواصل غير المباشر لم تعد تخفي حقيقة أن تجاوز المقاومة الإسلامية في لبنان أو القفز فوق حضورها ودورها بات أمراً شديد التعقيد، وأن أي مقاربة للواقع اللبناني أو لمستقبل الجنوب لا يمكن أن تتجاهل الوقائع التي فرضتها سنوات طويلة من المواجهة والتراكم والخبرة وهذا ما أدى بالرئيس الأميركي أن يعلن أنه تم التواصل مع حزب الله بغض النظر عن الوسيلة .
عزيزي القارئ، بعيداً عن أي اصطفاف قد يُتهم به هذا الرأي، أو عن أي خيار اتخذناه منذ زمن بدعم فكر وفكرة المقاومة، فإن ما نراه اليوم هو أن معركة الجنوب ليست مجرد معركة نار وحدود، بل معركة إرادات وصبر وثبات. ومن هنا تحديداً تُصنع الانتصارات. فالمقاوم الذي يثبت في موقعه رغم الخطر، والذي يتحمل المشقة والحرمان والتهديد اليومي، إنما يشارك في صناعة النصر قبل أن يُعلن عنه في بيان أو يُكتب في اتفاق.
لهذا كله، ورغم الضجيج الهائل والإعلام المأجور والحملات النفسية المتواصلة، فإن ما نراه في المشهد الجنوبي يميل بصورة واضحة إلى مصلحة المقاومة. وقد يختلف كثيرون مع هذا التقدير أو يؤيدونه، لكن المؤكد أن النصر لا يولد من الفراغ، بل يُصنع بالصبر والثبات والإيمان والجهد المتراكم. وعندما تكتمل عناصره، يصبح حقيقة لا تستطيع الدعاية أن تخفيها ولا السياسة أن تتجاوزها. وعندها فقط يدرك الجميع أن النصر لم يكن صدفة، بل كان ثمرة رجال آمنوا بقضيتهم وصبروا عليها حتى النهاية، وأنه لم يعد يفصلهم عنه سوى صبر ساعات وسترون أنه قاب قوسين أو أدنى .
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
