أنينُ الحجر

د. لورانس نعمة الله عجاقة

لم يكن بيتُنا حجارةً مرصوصة، بل كان كائناً حيّاً يتنفس على مهل، عمره ثلاثمئة عام، وكل حجرٍ فيه كشيخٍ حكيم، يحمل في تجاعيده حكاية، ويخفي في صمته ألف صوت.
كانت الجدران كصدورٍ واسعة، تحتضن ضحكاتنا كما تحتضن الأرضُ المطر، وتذوب فيها همساتنا كملحٍ في ماء الذكريات.
ولم يكن بيتاً لنا وحدنا
كان كقلبٍ كبيرٍ للضيعة كلّها،
تدخل إليه الخطوات كما تدخل الطيور إلى أعشاشها،
ويترك كلُّ عابرٍ فيه شيئاً من روحه، كأنّه يعلّق ذكرى على جدار.
كلُّ واحدٍ من أهل الضيعة كان له ظلٌّ في زواياه، وضحكةٌ عالقةٌ في سقفه، وحكايةٌ تنام بين حجارته كطفلٍ مطمئن.
كان البيت كدفترٍ جماعي، تكتب فيه القرية أيامها، وتمسح فيه تعبها، وتودع فيه أفراحها وأوجاعها.
كل حجرٍ كان ككتابٍ مفتوح، سطوره من تعب الأجداد، وحروفه من خطواتهم، كأن الزمن نقش نفسه عليه كما تُنقش الأسماء على القلب.
وكان البيت كشجرةٍ عتيقة، جذورها فينا، وأغصانها تمتد في أيامنا، تظلّلنا بحنينٍ لا يشيخ.
وحين غاب الحجر لم يغِب المكان فقط،
بل كأن الذاكرة فقدت لسانها،
وكأن الحكايات تكسّرت كزجاجٍ في مهبّ الريح.
راح الحجر فذبلت القصص كوردٍ بلا ماء،
وتاهت الأصوات كأطفالٍ بلا طريق،
وبقي القلب كبيتٍ مهجور،
كلما مرّ عليه الحنين ارتجف كجدارٍ يتداعى من البكاء.

شاهد أيضاً

فعالية ثقافية لعدد من المكاتب الحكومية بمحافظة إب اليمنية إبتهاجاً بذكرى يوم الولاية

  تقرير /حميد الطاهري نظمت مكاتب الإقتصاد والصناعة والإستثمار، والهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني، …